قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 23 نيسان 2014م الموافق للثالث والعشرين من جمادى الثانية 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

17

الحبّ في الله

 

 

 

أحبّ عمل إلى الله

وصلنا في المحاضرات الماضية إلى نتيجة مفادها أنّ محبّة الله عزّ وجلّ لا تجتمع مع محبّة أعدائه، لكنّها تجتمع مع محبّة ما يحبّه الله أو محبّة ما لا يحبّه ولا يبغضه (على فرض وجوده). وبالطبع فإنّ مراتب مطلوبيّة هذه المحبّة مختلفة. ونأمل هنا أن نفيد من الآيات القرآنيّة والأحاديث الشريفة في التوسّع في هذا المبحث.

لقد حثّت روايات كثيرة على حبّ المؤمنين عبر تعابير شتّى من قبيل «الحبّ في الله»، و«حبّ المؤمن»، و«حبّ أحبّاء الله»، و«المتحابّين في الله». فقد روي عن إمامنا زين العابدين (عليه السلام) قوله: «إذا جمع الله عزّ وجلّ الأوّلين والآخرين قام منادٍ فنادى يُسمِع الناس فيقول: أين المتحابّون في الله؟ قال: فيقوم عُنُق من الناس فيُقال لهم: اذهبوا إلى الجنّة بغير حساب. قال: فتلقّاهم الملائكة فيقولون: إلى أين؟ فيقولون: إلى الجنّة بغير حساب. قال: فيقولون: فأيّ ضرب أنتم من الناس؟ فيقولون: نحن المتحابّون في الله»[1].

كما ويقول الباري عزّ وجلّ في حديث المعراج: «وجبَتْ محبّتي للمتحابّين فِيَّ»[2]. وقد وردت في بعض الأحاديث القدسيّة أيضاً مضامين نادرة تتضمّن نقولاً غاية في الروعة. فقد أوحى الله عزّ وجلّ في بعض هذه النقول إلى موسى (على نبيّنا وآله وعليه السلام) فقال: «هل عملتَ لي عملاً قطّ؟ قال: إلهي صلّيت لك، وصمتُ وتصدّقتُ وذكرتُ لك. فقال: إنّ الصلاة لك برهان، والصوم جُنّة، والصدقة ظلّ، والذكر نور [بمعنى أنّ جميع ما ذكرتَ من أعمال فهو لك]، فأيّ عمل عملتَ لي؟ فقال موسى (عليه السلام): دُلّني على عمل هو لك. فقال: يا موسى! هل واليتَ لي وليّاً وهل عاديت لي عدوّاً»[3]؛ أي إنّ ما يكون لي هو أن تحبّ أحداً من أجلي أو أن تبغض شخصاً بسبب بغضه لي. وقد جاء في ختام هذه الرواية ما نصّه: «فعَلِم موسى أنّ أحبّ الأعمال الحبّ في الله والبغض في الله».

كما ونُقل عن الإمام الجواد (عليه السلام) في حديث آخر: «أوحى الله إلى بعض الأنبياء: أمّا زهدك في الدنيا فتَعَجُّلك الراحة، وأمّا انقطاعك إليّ فيُعَزِّزُك بي، ولكن هل عاديت لي عدوّاً وواليت لي وليّاً»؟[4] فإنّ عدم تعلّقك باُمور الدنيا وانتهاجك الزهد يخلّصك من بعض الهموم، فلا ينبغي أن تَعدّ الزهد لحسابي، بل إنّه من أجل دَعَتك وراحتك، وإنّ انقطاعك إليّ وقطع آمالك بغيري فهو يهبك العزّة. «ولكن هل عاديت لي عدوّاً وواليت لي وليّاً»؟ فالمحبّة والمعاداة هما من أجلي أمّا الأعمال الاُخرى فهي من أجلك.

وهنا يطرح السؤال التالي: ما ميزة المحبّة في الله كي يقول تبارك وتعالى: إنّ الصلاة والصيام وباقي العبادات هي لك، لكن أن تحبّ فيَّ فهو لي؟ فما الذي يميّز هذه المحبّة عن غيرها من العبادات؟

يبدو أنّ الدليل على ذلك هو أنّ محبّة الإنسان الآخرين في الله هي – في الحقيقة - عين محبّة الله وليست عملاً مستقلاًّ. فكلّ من الصلاة والصيام والزكاة وسائر العبادات هي أعمال مستقلّة عن غيرها وعندما ينجز المرء أيّ واحدة منها فهو يتوقّع منها المثوبة، لكن من الواضح أنّه عندما يحبّ الإنسان الله تعالى فإنّه سيحبّ أولياءه أيضاً. فحينما يحبّ المرء أحداً حبّاً جمّاً فإنّه سيحبّ كلّ ما يتعلّق به أيضاً. فحبّ الإنسان لصورة المحبوب - على سبيل المثال - ليست منفصلة عن حبّه للمحبوب نفسه، فكلّ امرئ يحبّ صورة حبيبه. ومن هنا فإنّ حبّ الإنسان مخلوقاً من مخلوقات الله من أجل الله يمثّل امتداداً لمحبّة الله يشعّ على محبوبه وليس شيئاً آخر. وهذا هو ما يحبّه الله كثيراً وما يبعث على تكامل الإنسان.

من هذا المنطلق فقد جاءت روايات كثيرة في حبّ المؤمن تؤكّد على أنّ هذا العمل هو من أسمى العبادات وهو لا ينافي محبّة الله. ليس هذا فحسب بل إنّه محطّ تأكيد الله أيضاً، فهو تعالى ينتظر من الإنسان المؤمن أن يتحلّى بهذه الفضيلة إلى جانب ممارسته باقي العبادات. هذا وقد جاء في بعض الأحاديث أنّه إذا التقى المؤمنان فإنّ أفضلهما هو أشدّهما حبّاً لصاحبه: «إنّ المسلمَين يلتقيان فأفضلهما أشدّهما حبّاً لصاحبه»[5].

محبّة المؤمنين الفقراء هي محبّة لله!

ومن جملة روايات هذا الباب هي تلك التي تحثّ على محبّة الفقراء. فقد روي عن النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله) أنّ الله تعالى قد أمره بحبّ المؤمن الفقير. كما ورد في حديث المعراج أنّ الله أوحى إلى نبيّه (صلّى الله عليه وآله): «يا أحمد! محبّتي محبّة الفقراء»[6]. ويقول أيضاً في فقرة اُخرى من الحديث ذاته: «فادن الفقراء وقرّب مجلسهم منك، وأبعد الأغنياء وأبعد مجلسهم عنك»!

ومن جملة ما ورد في هذا الباب هو ما قاله رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (عليه السلام): «يا عليّ! إنّ الله تبارك وتعالى وهَب لك حبّ المساكين والمستضعفين في الأرض فرضيتَ بهم إخواناً ورضوا بك إماماً»[7]. وهذا التأكيد يطرح هذا التساؤل: ما هي الميزة التي تدعو الإنسان إلى حبّ المؤمنين الفقراء أكثر من سائر المؤمنين؟

التقرّب إلى الله هو مقتضى الفقر

يبدو أنّ أحد أسباب التأكيد على حبّ الفقراء هو استحقاقهم للحبّ أكثر من غيرهم. فمناط كون المرء محبوباً هو قربه من الله وإنّ إمكانيّة تقرّب الفقراء إلى الله هي أكثر ممّا عند غيرهم. فالثراء بطبيعته يقضي بغفلة المرء عن ربّه وابتلائه بالغرور والتكبّر. فأمثال هؤلاء المصابين بالآفات والابتلاءات والذين تملأ طريقهم الموانع والعقبات قد لا يصلون إلى الهدف أو يبلغونه متأخّرين على الأقلّ. فقد ذكرت الآيات القرآنيّة أنّ الإنسان إذا شعر بالغنى والقدرة فإنّه لا يذعن للحقّ ويصاب بالغرور والعصيان: «كَلاَّ إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ * أَن رَّءَاهُ اسْتَغْنَىٰ»[8]. بالطبع هذا لا يعني أنّ الثروة هي العلّة التامّة للابتعاد عن الله جلّ شأنه. فكما هي الأعراض الجانبيّة التي تذكرها الكتب الطبّية للأدوية فإنّ هذه المسائل هي من قبيل الاقتضاءات وهي تعني أنّها قد تؤثّر في بعض الظروف وقد لا تؤثّر في ظروف اُخرى. فإنّ شعور الإنسان بالاستغناء يقتضي حالة الطغيان والغرور. لكنّه من الممكن أن لا يُبتلى المتربّي في مدرسة الأنبياء بالغرور والكبر، بل قد يكون أكثر تواضعاً من غيره بكثير أيضاً. ولهذا فمن حيث إنّ الفقراء هم عادةً أقلّ ابتلاء من غيرهم بالغرور والتكبّر والطغيان وأمثال ذلك فإنّهم أقلّ مرضاً من غيرهم، وإنّ ما يكون أقلّ مرضاً يحظى بمحبوبيّة أكبر.

الإخلاص في محبّة الفقراء

الدليل الآخر على كون محبّة الفقراء مطلوبة يرتبط بالمحبّ نفسه. فقد لا تنطوي محبّتنا للفقراء على ما تحتويه محبّتنا للأغنياء من الأغراض؛ إذ قد يكون حبّ المرء لذوي الامتيازات من قبيل أصحاب المناصب والعناوين والثروات وما إلى ذلك بدافع الإفادة من امتيازاتهم، ممّا لا يجعل محبّتهم خالصة لوجه الله. أمّا في محبّة الفقير فلا نعثر على هذا الدافع؛ إذ ليس لدى الفقير ما يُسيل لعاب الإنسان. وعلى هذا فإنّنا عندما نحبّ المؤمنين الفقراء تكون محبّتنا أكثر خلوصاً، أمّا إذا تدخّلت عوامل اُخرى في هذه المحبّة كالثروة ولوازمها، من قبيل المنصب والمكانة الاجتماعيّة، فقد يكون حبّ المرء لأمثال هؤلاء لأمله في أنّهم قد ينفعونه في ساعة العسرة ممّا يجعل حبّه لهم مشوباً بدوافع نفسانيّة ودنيويّة.

معيار معرفة الحبّ في الله

الملاحظة الاُخرى التي تسترعي الانتباه في هذا المجال هي أنّ قيد «في الله» قد جاء في جميع الروايات التي تشير إلى كون محبّة الآخرين مطلوبة؛ كقوله: «المتحابّين في الله». وهنا يكمن السؤال التالي: ماذا يعني هذا القيد «في الله»؟ وما هو المعيار لمعرفة إن كان حبّ المرء للآخرين في الله أم ليس فيه؟

فمن المؤكد أنّه ثمّة دوافع عديدة للحبّ. وإنّ بمقدور الإنسان أن يختبر بعض هذه الدوافع بنفسه. فإذا كانت المحبّة لله مثلاً لم تؤثّر تصرّفات الطرف المقابل فيها؛ فإذا أحبّ الإنسان الشخص الفلانيّ في الله ولأجله، سيكون الأمر عنده سيّان إن قابله هذا الشخص بالوفاء أو بالجفاء.

المعيار الآخر الذي باستطاعة الإنسان قياسه بنفسه نوعاً ما هو أنّه إذا كانت محبّته في الله فإنّها ستكون أكبر لكلّ من هو أكثر قرباً من الله، وإلاّ فعليه أن يشكّ في كون هذه المحبّة لله أو لأمر آخر.

لقد ذكرت الأحاديث الشريفة خصوصيّات لاُولئك الذين يحبّون الآخرين في الله، ومن جملتها ذلك الحديث المعروف الذي يقول فيه الحواريّون لعيسى (على نبيّنا وآله وعليه السلام): «يا روح الله مَن نجالس؟ قال: مَن يُذَكّركم اللهَ رؤيتُه ويزيد في عِلمكم منطقُه ويُرَغّبكم في الآخرة عملُه»[9]. فمن الواضح أنّ المرء سوف يحبّ مثل هذا الشخص في الله؛ فرؤيته تذكّرك بالله لا بالشيطان والهوى، وكلامه يزيد في علمك ولا يجرّك إلى الغفلة ويلهيك بلغو لا طائل تحته، بل وحتّى إذا صمت فإنّ مشاهدة سلوكه يُرَغّبك في الآخرة والعمل لها. ولابدّ أنّكم رأيتم من العظماء من هم على هذا النحو.

آية الله المشكينيّ كان رمز التقوى

المرحوم الشيخ المشكينيّ كان هكذا، فهو حتّى في فصل الشتاء كان يرتدي عباءة رقيقة ورخيصة الثمن. فما كانت الألبسة الفاخرة والزينة وأمثال ذلك لتخطر في بال المرء أبداً عند رؤيته. فعلى الرغم من أنّني عاشرته قرابة الأربعين عاماً، فإنّني لم أسمع منه يوماً كلاماً في غير محلّه أو غير نافع، فكلامه كان إمّا في العلم والتقوى أو في المسائل الاجتماعيّة لمعرفة التكليف. ويندر أن يوجد شخص لا يتأثّر من مجلسه.. أذكر أنّه أثناء لقاء أعضاء مجلس خبراء القيادة مع السيّد القائد (حيث كنّا نتشرّف بلقاء سماحته مرّتين في السنة) كان سماحته يأمره بوعظ الحاضرين فكان المرحوم المشكينيّ يعظ أعضاء المجلس في حضرة السيّد القائد. كان يطرح في موعظته روايات عالية المضامين ومباحث مفيدة ونفيسة وما كان من أمثالي إلاّ ويقع تحت تأثير كلامه ويشعر بالتحوّل. فمن الواضح أنّ المرء يحبّ أشخاصاً كهؤلاء، وأنّ حبّه لا يكون من أجل اُمور دنيويّة. فهذا الحبّ نابع من أنّ رؤية الشيخ المشكينيّ، وسلوكه، والاستماع إلى كلامه، ومعرفته بالحقّ، وعرفانه بالجميل وتواضعه كانت جميعها تذكّر الإنسان بالله. لكنّه ثمّة أمثلة اُخرى غير الشيخ (رحمه الله) تكون مشتبهة وقد تتدخّل فيها دوافع اُخرى.

تأثير العمل الخالص

من المناسب أن يسعى الإنسان إلى معرفة دوافعه عن كثب ويحاول نبذ الاُمور التي تنطوي على طابع دنيويّ وشخصيّ. فعندما يكون العمل خالصاً لوجه الله، يكون أثره عميقاً جدّاً؛ وهو أثر لا يمكن مقارنته حتّى بالعمل الذي يشوبه واحد بالمائة من الشوائب. فالخلوص بالنسبة لتأثير الأعمال هو إكسير لا يمكن قياسه بأيّ شيء آخر. إذ يقول الباري عزّت آلاؤه: «أنا خير شريكٍ مَن أشركَ معي غيري في عملٍ عمِلَه لم أقبله إلاّ ما كان لي خالصاً»[10] وساُسلّم سهمي لهذا الشريك قائلاً له: هذا أيضاً لك! بالطبع إنّ الله لا يبخل في تقبّل هذا أيضاً ولا يدعه من دون أثر، لكنّ ما يكون ذا أثر أصيل وعميق كالكيمياء التي تحوّل النحاس إلى ذهب فهو العمل الخالص. فإن كان العمل كذلك فسيكون ذا أثر في دنيا فاعله وفي آخرته أيضاً. رزقَنا الله وإيّاكم ورزق الجميع من ذلك.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين 


[1]. الكافي، ج2، ص126.

[2]. بحار الأنوار، ج74، ص21.

[3]. جامع الأخبار، ص128.

[4]. تحف العقول، ص455.

[5]. الكافي، ج2، ص127.

[6]. إرشاد القلوب إلى الصواب، ج1، ص201.

[7]. بحار الأنوار، ج36، ص347.

[8]. سورة العلق، الآيتان 6 و7.

[9]. الكافي، ج1، ص40.

[10]. الكافي، ج2، ص295.

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org