قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 18 تموز 2014م الموافق لليلة الحادية والعشرين من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

صفات أهل الدنيا

43

إشارة

بلغنا في بحثنا حول فقراتٍ من حديث المعراج إلى الفقرة القائلة: «يا أحمد! أَبغِض الدنيا وأهلَها وأَحِبّ الآخرةَ وأهلَها. قال: يا ربّ ومَن أهل الدنيا ومَن أهل الآخرة؟ قال: أهل الدنيا مَن كثُر أكلُه وضحكُه ونومُه وغضبُه...»[1].

لقد قُسّم الناس في العبارة أعلاه إلى قسمين: يضمّ الأوّل أهل الدنيا؛ وهم مَن يجب الابتعاد عنهم وتصنيفهم في عداد الأعداء. أمّا أصحاب القسم الثاني فهم أهل الآخرة الذين تتعيّن محبّتهم. وقد تبنّى القرآن الكريم أيضاً هذا التقسيم في بعض آياته، ومنها قوله تعالى: «مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُريدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصيبٍ»[2]. فإنّ لكلّ فرد من البشر، وفق التعبير القرآنيّ، زرعاً بَيد أنّ بعضهم يزرع للدنيا فيجني محصوله فيها، في حين أنّ بعضهم الآخر يزرع للآخرة وهو سيحصد ثمار زرعه في الحياة الاُخرى. ثمّ إنّ الله يبارك في حرث الذين يزرعون رجاءَ الآخرة ويزيد في ثماره؛ وذلك لقوله: «نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ»، أمّا الذين يزرعون للدنيا فإنّهم يُعطَون شيئاً ممّا أمّلوه: «نُؤْتِهِ مِنْهَا»، والسبب هو أنّ الدنيا دار تزاحم الحاجات، ومن المستحيل أن يحقّق الجميع فيها كلّ ما يطمحون إليه. ليس هذا فحسب، بل إنّ هؤلاء لن يكون لهم نصيب ولا حظّ في الآخرة أيضاً: «وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصيبٍ».

وبوسعنا أيضاً العثور على نظير هذا التقسيم، لكن بتعبير مغاير، في آية اُخرى هي قوله تعالى: «مَنْ كَانَ يُريدُ الْعاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً»[3]. فهواة الدنيا الراغبون في لذائذها العابرة على عجل سوف نعطي لمن نشاء منهم نصيباً منها. لكنّه لا يبلغ جميع أهل الدنيا كلّ حوائجهم؛ فقد لا يصيب بعضهم حتّى اُمنية واحدة من اُمنياته، بينما قد يحصل بعضهم الآخر على بعض مطالبه، لكن لا أحد في هذه الدنيا يحقّق كلّ ما يصبو إليه. هذه إذن عاقبة حبّ الدنيا في هذا العالم. أمّا في العالم الآخر فستحيط به ألسنة جهنّم الحارقة وهو في حالة من الذلّ والهزيمة: «ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً».

وفي المقابل فإنّ طلاّب الآخرة والباذلين بإيمان قصارى جهدهم في هذا الاتّجاه سيمنّ الله جلّ وعلا عليهم بما يفوق تصوّرهم وسيشكر سعيهم؛ وهو قوله: «وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً»[4].

الطيف ما بين الكفر والإيمان

لكن هل يعني هذا التقسيم بناءَ حاجز فاصل بين أهل الجنّة وأهل النار؟ وهل إنّ جميع المتواجدين في هذا الطرف من الحاجز منغمسون من قمّة رؤوسهم إلى أخمص أقدامهم بالنور والطهارة، وغارقون في درجة واحدة من الرحمة والبهجة، ويتنعّمون بنفس المقدار من نعيم الجنّة، وأنّ كافّة أصحاب الطرف المقابل هم على نفس الدرجة من القبح والدنس، ويحيق بهم نفس العذاب؟

في آية قرآنيّة اُخرى يقسّم الله عزّ وجلّ بني البشر إلى صنفين: مؤمنين وكافرين، وذلك في قوله: «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ»[5]. لكنّه تبارك وتعالى يقول في آية اُخرى: «وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ»[6]؛ أي إنّ شائبة الشرك تشوب قلوب معظم المؤمنين. وهذا يدلّ على أنّه ليس ثمّة حدّ فاصل يقسّم الناس إلى مؤمنين خُلَّص وكفّار محض، وأنّ لأغلب الناس في قلوبهم نصيباً من الإيمان وآثاراً من الشرك.

ومن باب التشبيه فلنتصوّر مستطيلاً قُسِّم برسم خطّ في وسطه إلى مثلّثين. إنّ قاعدة كلّ مثلّث في هذا المستطيل تجاور رأس المثلث الثاني. كما أنّ سطح كلّ جانب من جوانب المستطيل مغطّىً بالكامل بواسطة أحد المثلّثين، لكنّنا إذا سرنا من أحد سطوحه باتّجاه وسطه فإنّ قسماً من السطح سيخرج شيئاً فشيئاً من سيطرة أحد المثلّثين ليصبح تحت غطاء المثلّث الآخر، حتّى إذا وصلنا إلى وسطه فسنجد أنّ نصف السطح مغطّىً بالمثلّث الأوّل والنصف الآخر بالمثلّث الثاني.

على نفس المنوال فإنّ قلوب بعض الناس تكون مسوَدَّة بالشرك بشكل كامل، لكنّ قلوب البعض الآخر، من الذين يستقرّون في القطب المعاكس، طافحة بنور الإيمان. فاُولئك الذين يحتلّون القطبين ليسوا هم بكثيرين عدداً، إلاّ أنّ الغالبيّة العظمى من الناس - من الذين يقعون بين قطبَي الكفر والإيمان - يستولي الشرك على جزء من قلوبهم، بينما ينوّر الإيمان جزءاً آخر منها. ومن هنا فإنّ تقسيم الناس إلى صنفين، مؤمنين وكافرين، لا يعني بالضرورة امتياز أصحاب أحدهما عن أهل الآخر على نحو تامّ، بحيث إنّه ليس لطلاّب الدنيا أيّ حظّ من الآخرة، وإنّه ليس لمريدي الآخرة أدنى جنوح إلى الدنيا. بالطبع هؤلاء الذين يشغلون قطبي الإيمان والكفر هم هكذا، بيدَ أنّ قلوب السواد الأعظم من الناس تنطوي على ضغث من الإيمان وضغث من الكفر، وهم لذلك يطلبون الدنيا ويسعون للآخرة في آن واحد.

يستطيع كلّ امرئ، عبر سبر أعماق قلبه، أن يقف على ما يعشعش في باطنه - إلى جانب إيمانه - من مراتب الشرك والكفر والنفاق والرياء ونظير ذلك. فإنّ لكلّ واحد منّا تقريباً تعلّقات دنيويّة، ولقلبه ميولاً معيّنة، وإنّ فقدان بعض الاُمور يورثنا الاستياء، وهذا ضرب من التعلّق بالدنيا. كما أنّه ليس فينا مَن يُنكر الآخرة أيضاً. ولهذا فإنّه لا يسعنا، عندما يوصينا الباري عزّ وجلّ بحبّ أهل الآخرة وبغض أصحاب الدنيا، أن نفصل بين الناس بجدار عازل، فنسِم القابعين في أحد طرفي الجدار بطلاّب الدنيا وننأى بأنفسنا عنهم كلّ النأي، ونتصوّر اُولئك المستقرّين في الطرف الآخر منه أهلَ الآخرة فنهيم بهم شغفاً وحبّاً. فهذا التقسيم إنّما يدلّنا على وجود قطبين، وأنّ أغلب الناس بينهما يميلون إلى الدنيا ويرمون بطرفهم إلى الآخرة في الوقت ذاته.

لا ريب أنّ طريقة التعامل مع أصحاب كلّ واحد من القطبين واضحة. لكن كيف لنا أن نتعاطى مع اُولئك الواقعين بين قطبي الإيمان والكفر؟ هل نحبّهم أم نبغضهم؟ فبعض هؤلاء تصل رغبتهم في الدنيا إلى حدّ يكون ميلهم إلى الآخرة معه في منتهى السطحيّة حتّى انّ الآخرة لَتخرُج من قلوبهم بأقلّ جذبة دنيويّة. ويمكن القول – بمعنىً من المعاني - إنّ طينتهم وذاتهم فاسدة فلا يمكن الميل إليهم وحبّهم، هذا وإن استحقّوا الثناء على فعل الخير إذا ما صدر منهم.

وفي الطرف الآخر فإنّ هناك مَن تجذّر الاعتقاد بالدين والآخرة في قلبه، لكنّ بعض الزلل والتعثّر قد ينتابُه في مواجهة بعض الأحداث. ولقد وعدَت الروايات بأنّ مثل هذا المؤمن، الذي تزلّ قدمه أحياناً فيرتكب بعض المعاصي، إذا ما تاب في حياته وتدارك قبيح فعاله فسيُعفى عنه. أمّا إذا حلّت به المنيّة قبل أن يبادر إلى التوبة، فسيطهّره الله سبحانه من ذنوبه بأن يصعِّب عليه نزع الروح. وإذا بقي خُبث المعاصي في وجوده بعد الموت أيضاً فسيسوّي حسابه بأن يشدّد عليه في أوّل ليلة من نزوله إلى القبر. فإن بقي شيء من دنس الذنوب مع كلّ ذلك فسينفُض عن وجوده غبارَها عن طريق عذاب البرزخ. وفي نهاية المطاف فإنّه عزّ وجلّ سيُدخِله الجنّة بالشفاعة أيضاً، بشرط أن تكون جذور الإيمان راسخة في قلبه.

فمن الواضح أنّه لا ينبغي بغض المؤمن الطافح قلبه بالإيمان بالله تبارك وتعالى وحبّ أهل البيت (عليهم السلام)، حتّى وإن صدرت منه بعض الذنوب. إذ لا يراد من بغض أهل الدنيا بغض كلّ عاصٍ، بل المقصود من ذلك - بالنسبة لهؤلاء العاصين من المؤمنين - هو إظهار الاستنكار والشجب لأفعالهم غير اللائقة. لكن لا ينبغي قطع العلاقة معه، بل ولا يجوز إضمار الانزعاج والاستياء منه حتّى في القلب، وإنّما يتعيّن علينا الدعاء له كي يهديه الله سواء السبيل ويوفّقه إلى التوبة.

نفهم من ذلك أنّ المراد من تقسيم الناس إلى أهل الدنيا وأهل الآخرة هو إظهار القطبين الصالح والطالح لبني آدم، وأنّ السواد الأعظم من الناس يقعون بين هذين القطبين، فهم الذين يقول فيهم عزّ من قائل: «خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً»[7]، فقد امتزج في قلوبهم الإيمان والشرك، واختلط فيها طلب الدنيا وحبّ الآخرة، فكان ميل بعضهم إلى الدنيا أكثر، وكانت رغبة بعضهم في الآخرة أشدّ.

صفات أهل الدنيا

بعد أن أوصى الباري سبحانه وتعالى نبيّه الكريم (صلّى الله عليه وآله) في ليلة المعراج بقوله: «يا أحمد! أَبغِض الدنيا وأهلَها وأَحِبّ الآخرةَ وأهلَها» سأله (صلّى الله عليه وآله): «يا ربّ ومَن أهل الدنيا ومَن أهل الآخرة؟». فكان جواب ربّ العزّة بأن عرّف له أهل الدنيا وأهل الآخرة من خلال الآثار التي تظهر في سلوكهم؛ «قال: أهل الدنيا مَن كثُر أكلُه وضحكُه ونومُه وغضبُه». فهناك أربع خصال بارزة في أهل الدنيا، هي: كثرة الأكل، وكثرة الضحك، وكثرة النوم، وكثرة الغضب. والخصلة الاُخرى لأصحاب الدنيا هي رضاهم عن أنفسهم: «قليل الرضا» فصاحب الدنيا يرى باستمرار أنّ الحقّ معه، ولا يرضى عن الآخرين بسهولة.

كما أنّ أهل الدنيا لا يعتذرون إلى مَن ظلموه: «لا يعتذر إلى مَن أساء إليه»، ولا يقبلون عذر من أخطأ في حقّهم: «ولا يقبلُ عُذرَ من اعتذر إليه». ثمّ إنّ صاحب الدنيا «كسلانٌ عند الطاعة، شجاعٌ عند المعصية» فهو تعب وكسلان وخاوٍ من النشاط والحيويّة ساعةَ الطاعة، لكنّه يتسابق مع الآخرين من أجل لذّات الدنيا وزخرفها. مضافاً إلى أنّه: «أمَله بعيد وأجَله قريب» فعمره قصير، لكنّه يحمل في رأسه آمالاً عريضة وطموحات طويلة. فمع أنّ الإنسان يعلم بأنّ أجله قريب، لكنّه يتمادى أحياناً في أحلامه فيفكّر حتّى في أحفاده وأسباطه شاغلاً نفسه بجمع الثروة لمستقبلهم. وصاحب الدنيا أيضاً: «قليل المنفعة كثير الكلام» فهو يتكلّم أكثر ممّا يخدم الناس. وهو كذلك: «قليل الخوف كثير الفرح عند الطعام» فلا تساوره الخشية والخوف من عذاب ربّه، ولا يفكّر إلاّ في الدنيا، ويكون متّكلاً على ما جمع من الثروة والأصحاب، وفي المقابل فإنّ فرحَه وجذلَه عند حضور الطعام عظيم.

«وإنّ أهل الدنيا لا يشكرون عند الرخاء» فهم غير شاكرين لوفير النعم التي أسبغها الله تبارك وتعالى عليهم، لأنّه غاب المنعمُ عن أذهانهم، فظنّوا أنّهم نالوها بسعيهم وجهدهم، وهذا يذكّرنا بزعم قارون عندما قال: لقد جمعت هذا المال العظيم بعلمي وسعيي وتدبيري: «إِنَّمَا أُوتِيتُهُ‏ عَلَىٰ عِلْمٍ عِنْدِي»[8].

ثمّ يقول أيضاً في وصفهم: «ولا يصبرون عند البلاء» فهم يجزعون وقت المصيبة والمحنة. فالمؤمن مطمئنّ بأنّ كلّ مصيبة تحلّ بالعبد فهي لحكمة، وهو لهذا يتحمّلها. لكنّ طبيعة الإنسان، بصرف النظر عن قضيّة الإيمان والتربية الدينيّة، تقتضي منه – بالطبع - الجزع والفزع عند حلول المكاره والشدائد، لقوله تعالى: «إِنَّ الإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلاَّ الْمُصَلِّين»[9]، عدا اُولئك الذين تربطهم مع الله تعالى علاقة خاصّة.

ويقول فيهم أيضاً: «كثيرُ الناسِ عندهم قليل» فخدمات الخلق الجمّة تجاههم لا تساوي شيئاً عندهم، وهم لهذا لا يعترفون بجميلهم ولا يشكرونهم على خدماتهم. لكنّهم في مقابل هذا: «يحمَدون أنفسَهم بما لا يفعلون» فهم يثنون على أنفسهم، بل وينسبون إليها ما لم يقوموا به من الأعمال الصالحة زوراً وبهتاناً. وما أشبه هذا التعبير بقول الله تعالى في كتابه العزيز: «لا تَحْسَبَنَّ الَّذينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ‏ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ»[10]. فأهل الدنيا يدّعون اُموراً ليس لهم فيها نصيب: «ويَدّعون بما ليس لهم، ويتكلّمون بما يتمنّون» فهم يتحدّثون دوماً عن أمانيهم وطموحاتهم. «ويذكرون مساوئ الناس ويُخفون حسناتهم» ولعلّهم يفعلون ذلك لإظهار فضل أنفسهم أمام الناس في مقام القياس بالآخرين والتنافس معهم ليُخرجوا بذلك خصمهم من ميدان السباق.

ويبدو هاهنا أنّ صدر رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قد ضاق من سماع هذه الأوصاف، فسأل ربّه: «يا ربّ! كلّ هذا العيب في أهل الدنيا»؟! فقال له ربّ الجلال: «يا أحمد! إنّ عيب أهل الدنيا كثير، فيهم الجهلُ والحُمق»؛ فإنّ عيوبهم كثيرة، لكنّ الأبرز من بينها هو الجهل وضحالة العقل؛ فهم يجهلون ما ينبغي لهم أن يعلموه، ويفرّطون بما لابدّ لهم أن ينجزوه من صالح الأعمال. كما أنّهم «لا يتواضعون لمَن يتعلّمون منه»؛ فهم - خلافاً لمقتضى فطرة البشر، وانطلاقاً من أنانيّتهم وحبّهم لذواتهم – لا يُظهرون التواضع أمام أساتذتهم ولا يقدّرون فضلهم ومتاعبهم. «وهم عند أنفسهم عُقَلاء، وعند العارفين حُمَقاء»؛ فهم يحسبون أنفسهم أعقل العقلاء، والحال أنّ أهل المعرفة واقفون على حماقتهم.

ثقافة طلب الدنيا في عالمنا المعاصر

خلاصة الأمر فإنّ من الميسور مشاهدة هذه الأوصاف في بعض المذاهب الأخلاقيّة الشائعة في عالمنا المعاصر. إذ تشتهر اليوم ثلاثة مذاهب في حقل فلسفة القيم والأخلاق: أوّلها مذهب أصالة المتعة، الذي يعرّف «الحُسن» بأنّه كلّ ما ينطوي على متعة ولذّة، ويذهب دُعاته إلى أنّ «اللذّة» هي أساس كلّ الصالحات، معتقدين بأنّ الإنسان إنّما يأتي إلى هذه الدنيا ليستمتع بلذّاتها وليس ثمّة على عاتقه من مهمّة سوى الاستمتاع!

أمّا المذهب الثاني فهو مذهب أصالة الفرد، وفيه أنّ على كلّ امرئ أن لا يفكّر أثناء حياته إلاّ في نفسه، وأن يبذل قصارى جهده من أجل سعادته وتوفير أسباب رفاهيّته. المؤمنون بهذا المذهب لا يفكّرون حتّى في أبويهم ولا في أزواجهم ولا في أولادهم. فوفقاً لهذا النمط الحياتيّ الشائع في الغرب – والذي غدا، مع شديد الأسف، وبسبب الدعاية ووسائل الإعلام الجماهيريّة، يترسّخ شيئاً فشيئاً في الدول الأسلاميّة أيضاً – صار الولد ينفصل عن عائلته بمجرّد تمكّنه من الاعتماد على نفسه ويؤسّس حياته الخاصّة. فبغية أن يريح الأب نفسه من مشقّة الحفاظ على ولده، ولأجل أن يتخلّص الولد من أوامر والديه ونواهيهما، يفرّ كلّ واحد من الآخر ولا يعودان يفتّشان عن بعضهما البعض.

أمّا المذهب الثالث فهو مذهب أصالة الليبراليّة الأخلاقيّة، أو أصالة الحرّية. وكلّ إنسان، وفق هذا المذهب، حرّ في صنع ما يحلو له، ولا يحقّ لأيّ قانون أو نظام أخلاقيّ أو دين أن يحدّ من حرّيته. مَعقل هذا المذهب في عصرنا الحاليّ هو أمريكا التي يسير مجتمعها، بسبب هذه الثقافة، نحو الانحطاط والتسافل.

عندما كنتُ قبل بضع سنين في جولة في عدد من دول أمريكا اللاتينيّة لإلقاء المحاضرات في بعض المراكز العلميّة والثقافيّة هناك، ذكر لي مسؤول في واحدة من الجامعات في شيلي، والتي تضمّ أربعين ألف طالب جامعي: «لقد دمّرَت الثقافة الأمريكيّة شبّاننا، وليس لدينا أيّ بصيص أمل في إصلاحهم، اللهمّ إلاّ أن يأتي هذا الإسلام الذي تعرّفونه ليمدّ يده فينتشلنا من المأزق الذي نحن فيه». هذه الفاجعة هي ثمرة الثقافة الليبراليّة التي تُشاع في باقي البلدان تحت يافطة «الحرّية».

والآن، إذا ما استعرضنا صفات أهل الدنيا التي يتحدّث عنها الله جلّ وعلا في حديث المعراج فسنجد أنّ جميع هذه السجايا مندرجة في هذه المذاهب الثلاثة ولا يمكن أن تخرج من دائرتها؛ فمذهب أصالة المتعة فيه الرغبة في اللذّات المادّية الفانية كالنوم والأكل وإشباع الغرائز الجنسيّة. ومذهب أصالة الفرد يحرّض متّبعَه على أن لا يكترث بالآخرين، ولا يتواضع للاُستاذ، ولا يقيم وزناً لأعمال الآخرين، وأن يتباهى بما لم يفعل، ولا يقبل عذر الآخرين، ولا يعتذر عند الإساءة إليهم. وأخيراً مذهب أصالة الحرّية الأخلاقيّة الذي يستلزم عدم المبالاة بالأوامر الإلهيّة والدين ويجرّ إلى اتّباع الهوى والشهوات. إذن من الميسور جمع كافّة الصفات المذكورة في هذه المذاهب الثلاثة، وهي مذهب أصالة المتعة، ومذهب أصالة الفرد، ومذهب أصالة الليبراليّة الأخلاقيّة.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين



[1]. بحار الأنوار، ج74، ص23.

[2]. سورة الشورى، الآية 20.

[3]. سورة الإسراء، الآية 18.

[4]. سورة الإسراء، الآية 19.

[5]. سورة التغابن، الآية 2.

[6]. سورة يوسف، الآية 106.

[7]. سورة التوبة، الآية 102.

[8]. سورة القصص، الآية 78.

[9]. سورة المعارج، الآيات 19 – 22.

[10]. سورة آل عمران، الآية 188.

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org