قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 9 تموز 2014م الموافق لليلة الثانية عشرة من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

الله هو الذي يربّي السالك إليه

34

 

إشارة

تناولنا في المحاضرات الماضية مقطعاً من حديث المعراج القدسيّ الذي يبيّن الله تعالى فيه الشروط اللازمة لنيل العبد الحياة الأبديّة الهانئة، وقلنا إنّ الخصوصيّات المذكورة في أحد مقاطع الحديث تتطلّب من نفس العبد بذل الجهد والمثابرة لاكتسابها. كما وبيّن مقطع آخر من الحديث العنايات التي يوليها الله عزّ وجلّ لمن يخطو في هذا الطريق من عباده. إنّ التكاليف المبيَّنة في القسم الأوّل هي مناهج عمليّة يمكن لكلّ مكلّف، ومن خلال همّته واجتهاده، أن ينجز ولو مرتبة من مراتبها. أمّا المراتب التي تسمو على ما ذُكر في هذا المقطع فإنّ مستواها أعلى من قدرة الناس العاديّين وليس في الميسور بلوغها من دون مساعدة الله تعالى ومعونته. وفي الحقيقة فإنّ الله تبارك وتعالى يقوم في هذه المرحلة بدور المربّي الخصوصيّ بالنسبة للعباد الذين اجتازوا المراحل السابقة حتّى وصلوا إلى هذه المرحلة ويعينهم على مواصلة الطريق.

لقد ذكرنا فيما سبق أنّ لله في تربية عباده سنناً إحداها هي أنّه يهدي جميع مخلوقاته إلى الهدف الذي خُلقَت من أجله. وإنّ هداية الله العامّة للإنسان لنيل الكمال النهائيّ تتحقّق عن طريقين: الأوّل هو العقل، والثاني هو الوحي وبمساعدة الأنبياء. وإنّ جميع البشر مشمولون بهذه الهداية العامّة. لكن ثمّة لله أنماطاً خاصّة من الهداية يختصّ بها مَن يعرف قدر الهداية العامّة ويشكرها.

ولتقريب المعنى إلى الذهن فلنتصوّر شخصاً يرغب في تعليم ابنه فنون التجارة وأسرارها، فهل يُعقل أن يضع تحت تصرّفه منذ البداية رأس مال ضخم؟ من الجليّ أنّ وضع رأس مال ضخم تحت تصرّف امرئ عديم الخبرة بالتجارة هو أمر عبثيّ وهو سيؤدّي إلى تلف المال وضياعه. من هنا يتعيّن في بادئ الأمر أن يعطيه رأس مال صغير ويرشده إلى كيفيّة الاتّجار به وتحقيق الأرباح. فإن أتقن المبادئ الأوّليّة للتجارة وعرف طرقها عمد الأب إلى إعطائه رأس مال أكبر، وهكذا إلى أن يعرف جميع أسرار التجارة ويتمكّن بمفرده من إدارة جميع الاُمور.

وكذا الحال بالنسبة لله عزّ وجلّ فهو تعالى لا يضع جميع النعم المعنويّة دفعة واحدة في متناول العبد: «وَالَّذِينَ اهْتَدَوْاْ زَادَهُمْ هُدىً»[1]، بل يمنّ عليه في البداية ببعض نعمه، فإن عرف قدرها وشكرها زاده منها تدريجيّاً: «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ»[2]. ووفقاً للقاعدة ذاتها فمن أجل نيل العبد العيش الهنيء والحياة الباقية فإنّ الله يعيّن له في بداية الأمر مناهج فإذا طبّقها صار مؤهّلاً لنيل كمالات أسمى. وهذا لون من ألوان الولاية، والقيمومة، والربوبيّة على العبد وتدبير اُموره وتربيته تربية خاصّة.

والمناهج التي ذكرها القسم الأوّل من هذا المقطع من حديث المعراج هي اُمور يستطيع كلّ امرئ تقريباً إنجازها. فإن عرف الإنسان قدر هذه الأنماط من الهداية وعمل بموجب هذه المناهج فسيحظى بأهليّة الولوج في مراتب أعلى من الاُولى، لكنّ قدرته في هذه المرحلة لا تكفي وحدها لمواصلة المسير. وهنا يأتي القسم الثاني من المقطع محطّ البحث ليشير إلى أشكال العنايات والمساعدات الخاصّة التي يوليها ربّ العزّة لعباده الصالحين من أجل طيّ ما تبقّى من الطريق وتربيتهم تربية إلهيّة خاصّة.

مراحل التربية

تدخل في عمليّة تربية الكائن الحيّ الواعي كالإنسان ثلاثة عوامل. ففي بداية المطاف يحاول المربّي لفت انتباه المتربّي والمتعلّم إلى النموّ والرقيّ وتنمية رغبته فيه. فإذا لم تبلغ رغبة المتربّي في التربية حدّ النصاب المطلوب فسوف لا يعمل بإرشادات المربّي وعندها تضيع جهود الأخير سدىً. بناءً عليه فإنّ الشرط الأوّل في عمليّة التربية الصحيحة هو ترغيب المتربّي في إنجاز العمل المطلوب. إذن فإثارة الرغبة في المتربّي تُعدّ العامل الأوّل في عمليّة التربية وهي بمثابة تشغيل محرّك السيارة. وكلّما اشتدّت هذه الرغبة فسيُكَلّل العمل بمزيد من النجاح. وإنّ أهمّ العوامل التي يفاد منها في هذا المجال هي العواطف والأحاسيس.

العامل الثاني في التربية يتمثّل في المعالم التي ينبغي تبيينها للمتربّي لترشده في عمليّة طيّ الطريق؛ وهي بمثابة المصابيح التي تضيء الطريق المظلم الذي يتعيّن على صاحب السيّارة السير فيه بعد تشغيل محرّكها. ويتمّ في هذه المرحلة رفد معرفة السالك بالمعارف الخاصّة الضروريّة لطيّ الطريق.

لكنّ سلامة السيّارة وإضاءة مصابيح الطريق لا تكفي في كثير من الأحيان لمواصلة المسير، بل يتعيّن رفع الصخرة التي تسدّ الطريق أمام السيّارة. وهنا أيضاً على المربّي مساعدة المتعلّم في رفع الموانع التي تسدّ الطريق. لكنّه بالالتفات إلى أنّ أساس التكامل والرقيّ في الحركات الإنسانيّة مبنيّ على السلوك الاختياريّ، فإنّه إذا رفع المربّي المانع بنفسه من طريق المتربّي فسيضعف دور اختيار الأخير، حيث إنّ المربّي هو الذي أنجز العمل في واقع الأمر ولم يكن للمتربّي دور فيه. ومن هنا فإنّ على المربّي في مثل هذه المواطن أن يسعى لتعليم المتربّي، بأساليبٍ خاصّة، كيفيّة رفع الموانع، ويساعده في هذه السبيل عبر الترغيب بالشكل الذي لا يسلب منه عنصر الاختيار.

فالشابّ اليافع الذي يروم التدرّب على إحدى الألعاب الرياضيّة لابدّ أوّلاً أن يكون راغباً في هذه اللعبة، ذلك أنّ جميع أتعاب المدرّب ستضيع سدىً وسوف لا يتقدّم الشابّ في هذه اللعبة إذا لم يكن راغباً فيها. وفي المرحلة الثانية ينبغي على المربّي أن يعلّم الشاب قواعد اللعبة وفنونها ويزوّده بلوازمها وأدواتها. ثمّ يشير في المرحلة التالية إلى الموانع التي يمكن أن تبرز أثناء التمارين وتنفيذ البرنامج الرياضيّ ويفتّش عن الحلول الكفيلة برفعها.

فإذا اجتاز العباد المراحل الابتدائيّة من الطريق بكدّهم وهمّتهم وشعروا بالحاجة إلى المربّي لمواصلة الطريق فسيتولّى الله عزّ وجلّ بنفسه مهمّة تربيتهم تربية خاصّة ويساعدهم عبر الأخذ بأيديهم. وأوّل ما يفعله الباري تبارك وتعالى في هذه المرحلة هو الإفادة من العنصر العاطفيّ وذلك بإلقاء محبّته في قلب العبد: «أسكَنتُ في قلبه حبّاً». فالله جلّ وعلا يفيد في هذه المرحلة من أحاسيس الإنسان وعواطفه كمحرّك من أجل أن يبعث في نفسه باستمرار الدافع لمواصلة المسير.

وبعد العنصر العاطفيّ يأتي الدور إلى العامل المعرفيّ. فكلّما ازدادت معرفة الإنسان فإنّه سيطوي مراحل التكامل بشكل أفضل. وحتّى العبد المحبّ لربّه فإنّه كلّما ازداد معرفة بربّه فستزداد سرعة سيره نحوه، أمّا المعارف التي حصل عليها إلى الآن عبر المفاهيم فإنّها غير كافية لمواصلة هذا الطريق، بل لابدّ من أشكال المعرفة الشهوديّة للسير في هذه المرتبة. من هذا المنطلق فإنّ الله سبحانه وتعالى يفتح عين قلب العبد الذي وصل إلى هذه المرحلة كي يشاهد بعين قلبه جلال الله وعظمته فتزداد معرفته به عزّ وجلّ.

لكنّه قد تعرض للعبد في مسيره موانعُ يحتاج إلى مساعدةٍ لإزالتها. فقد أشارت آيات مختلفة إلى أنّ المقصد النهائيّ لابن آدم هو القرب من الله تعالى: «فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ»[3]. فإنّ ما يمنع الإنسان من السير نحو هذا الهدف وبلوغ كماله المنشود هو تعلّقه بالدنيا الذي يعمل عمل الصخرة الضخمة التي تحول دون مواصلة الإنسان مسيره، ولابدّ من رفعها من أمامه. فإن أقدم المربّي على رفع هذه العقبة بنفسه ولم يكن للسالك دور في ذلك فسوف لا يكون لهذا العمل من تأثير على تكامل السالك وترقّيه. وهنا ينبغي للمربّي أن يوفّر الأرضيّة التي تمكّن المتربّي من مواصلة الطريق بإرادته واختياره وتعلّمه كيف يصارع العقبات ويزيحها من طريقه.

فإنّ الراعي الذي يقود قطيع أغنامه نحو المرتع إذا واجه في طريقه وادياً سحيقاً فسوف لا يعمد إلى حمل خرافه على ظهره او لجمهم بلجام لتجنيبهم السقوط في الوادي، بل يحاول إفهام الأغنام عبر رمي حجر، أو تحريك العصا أو إطلاق أصوات خاصّة بضرورة الابتعاد عن الوادي والعودة إلى الطريق الصحيح. فإنّ سير الإنسان نحو ما اختاره الله له من التكامل والرقيّ هو سير اختياريّ، فهو لا يصل إلى النتيجة المرجوّة بالجبر والقوّة. فلابدّ أن يكون المرء راغباً في السير وبذل الجهد ومواجهة المشاكل والمصاعب وتجاوزها كي يصل إلى القمّة التي أعدّها الله تبارك وتعالى له.

فمحبّة الله تعالى تزوّد باطن الإنسان بالطاقة اللازمة لمواصلة سيره، كما أنّ أشكال المعرفة اللازمة ستظهر أيضاً عبر التجليّات الإلهيّة بما يتناسب مع أهليّة السالك لتنير له الدرب. لكن ما هي السبيل إلى إزالة الموانع عن الطريق؟

الحوادث هي عامل لرفع المانع من طريق السالك

لقد بيّن حديث المعراج القدسيّ السبيل لرفع الموانع حين قال: «واُضيِّق عليه الدنيا واُبغّض إليه ما فيها من اللذات‏»[4]. فالله تعالى يصبّ على العبد المصائب ويعرّضه للحوادث بغية انتزاع حبّ الدنيا من قلبه. فكل ّامرئ يحتاج من أجل انتزاع هذا الحبّ من قلبه إلى عامل معيّن يتناسب مع درجة معرفته. فهناك من لا يصيب قلبَه أبداً تعلّقٌ بالدنيا من خلال العمل بأوامر الشارع المقدّس، لاسيّما الواجبات والمستحبّات. وأهم هذه الأوامر هي الإنفاق: «لَنْ تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ»[5]. فالإنفاق لا يطهّر مال الإنسان فحسب، بل روحه أيضاً؛ لقوله تعالى: «خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا»[6]. فلم يقل عزّ وجلّ: لتَطْهُر أموالُهم، بل قال: ليطهُروا هم أنفسهم. فحينما يعطي الإنسانُ الآخرين ما يحبّ وما من شأنه أن يسبّب له التعلّق بالدنيا فسوف لا يحصل له مثل هذا التعلّق، بل ويزول ما كان لديه من تعلّقات أيضاً. فالذين ينظرون إلى آلاء ربّهم، بما في ذلك الأزواج والأولاد، باعتبارها نِعم الله عليهم وأنّها وسائل لاختبارهم، فسوف لا ينظرون إلى هذه الاُمور بما أنّها أصيلة ولهذا فإنّهم لا يتعلّقون بها.

أمّا إذا حصل التعلّق بالدنيا فلابدّ من طروء ظروف وحصول حوادث ليُدرك الإنسان أنّ هذه الدنيا لا تستحقّ التعلّق بها: «وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ»[7]. فالشدائد والمكاره والمصائب إنّما تحصل للمرء كي يجتثّ حبّ الدنيا من قلبه ويقنع منها بالأقلّ. فالله عزّ وجلّ يعلم جيّداً كيف يختبر كلّ عبد من عبيده وبأيّ صورة يقطع تعلّقه بالدنيا بما يتناسب مع آفاقه وميوله. فإنّ المشاكل التي تواجه كلّ إنسان تمثّل في واقع الأمر عوامل تربويّة تساعد المرء على اجتثاب حبّ الدنيا من قلبه.

فمن أجل أن يتمكّن الإنسان من الإفادة ممّا أودع الله في قلبه من محبّته ومن نورانيّة مشاهدة تجلّياته فإنّ عليه أن يتجنّب السقوط في وادي حبّ الدنيا. ولهذا يتابع الباري عزّ وجلّ في الحديث محطّ البحث: «واُحذِّره من الدنيا وما فيها كما يحذّر الراعي غنمَه من مراتع الهلكة». فالله يمارس دور الراعي الحريص على غنمه في تعامله مع العبد الذي يخطو في طريق التكامل والرقيّ. فمن أجل حفظ الخراف يقوم الراعي بتوجيه قطيعه إلى الطرقات الآمنة الخالية من الأخطار كي لا يسقط في الوادي ويأمَن من خطر الذئاب. لكنّه لا يفعل ذلك معه عنوةً، بل يهيّئ الأرضيّة كي يختار بنفسه الطريق الصائبة.

فالله تعالى يقدّم نفسَه في هذا المقطع بمثابة الراعي الذي يُبعد غنمه عن المراتع التي فيها هلاكهم. فالاُمور الدنيويّة هي عرصات قد تؤدّي بالعباد إلى الهلاك، ولذا فإنّ الباري عزّ وجلّ ينأى بعباده عن مراتع الهلاك. هذه هي التربية الإلهيّة؛ فهو تعالى يبعث – من ناحية - في أنفس عباده الدافع عبر إسكان محبّته في قلوبهم، ويريهم – من ناحية اُخرى – ذرى الكمال عبر فتح أعين وأسماع قلوبهم، ثمّ يزيل عن طريقهم – من ناحية ثالثة – موانع التكامل والترقّي عبر تحذيرهم من اُمور الدنيا.

إلهي! نسألك بحقّ مَن وهبتهم محبّتك وأفَضْت عليهم من نعمك أن تمنّ على قلوبنا القاصرة أيضاً بنفحة من تلك النعم.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين 


[1]. سورة محمّد (صلّى الله عليه وآله)، الآية 17.

[2]. سورة إبراهيم، الآية 7.

[3]. سورة القمر، الآية 55.

[4]. إرشاد القلوب، ج1، ص204.

[5]. سورة آل عمران، الآية 92.

[6]. سورة التوبة، الآية 103.

[7]. سورة البقرة، الآية 155.

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org