قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

(6)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 8 كانون الثاني 2014م الموافق للسادس من ربيع الأول 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

طريقة لاستجلاب المحبّة

المحبّة حاجة سامية

 

يؤكّد بعض علماء النفس، لاسيّما أتباع النزعة الإنسانيّة والكماليّة، على أنّ إحدى الحاجات الفطريّة للإنسان هي أن يكون محبّاً ومحبوباً. ويمكننا نحن أيضاً أن نخوض هذه التجربة. بالطبع إنّنا – وبسبب تعلّق خاطرنا، في أغلب مراحل حياتنا، بأشخاص كالأب والاُمّ والأقرباء والأصدقاء – لا ندرك جيّداً الفراغ الناجم عن غياب المحبّة، لكنّ من شأن إجراء دراسة تحليليّة لأحوال بعض الأشخاص المصابين بضروب الشعور بالانعزال والاكتئاب وبعض الأمراض النفسيّة، والذين يصل بهم الأمر أحياناً إلى الانتحار، يبيّن أنّ من جملة الأسباب الرئيسيّة لذلك هو عدم تعلّقهم بالآخرين، وعدم تعلّق الآخرين بهم. ولعلّكم سمعتم في المقابلات التي تُجرى مع المدمنين وأمثالهم بأنّ أشدّ دواعي الانتحار لديهم هي شعورهم بأنّه لا أحد يحبّهم ولا هم يحبّون أحداً. وهذه الشواهد تدلّ على فطريّة هذه المسألة. ولعلّ هذا الأمر هو أحد الجذور الفطريّة لمعرفة الله وعبادته، حيث تسوق فطرة الإنسان صاحبَها إلى معرفة الله ومعرفة صفاته الكماليّة، فيحبّه ويعبده عن حبّ. ومن هنا فإنّه ليس ببعيد أبداً أنّ أصل نزوع المرء إلى أن يكون محبّاً ومحبوباً هو نزوع إلهيّ، الغاية منه هداية الإنسان إلى الله تعالى بصفته المحبوب الحقيقيّ.

فإنّ ميلنا إلى أن نكون محبّين ومحبوبين هو حاجة نشعر بها عادةً، لاسيّما عندما تُسَدّ سائر حاجاتنا الطبيعيّة. وبما أنّ مستوى هذه الميول يفوق مستوى الحاجات المادّية والفيزيائيّة، فإنّ المرء قلّما يهتمّ بها أثناء حالات المرض والجوع والفقر وأمثال ذلك. فالحاجات التي تأتي في الدرجة الاُولى لاهتمامات الإنسان هي تلك المرتبطة بحياته. فالطفل – على سبيل المثال – يبكي عند الإحساس بالجوع، لكنّه يبدأ بالاُنس باُمّه - شيئاً فشيئاً - ويستمتع حينما تحتضنه وتلاطفه، وهو ينزعج جدّاً إذا لم تلاطفه أو إذا غضبت عليه. ولقد صنّف بعض علماء النفس حاجات الإنسان وسَمّوا تلك الحاجات التي تقع في المستويات الأعلى بالحاجات السامية أو العالية. والمحصّلة هي أنّ الإنسان يتألّم من العزلة ويرغب في أن يأنس بشخص آخر وأن تربطه معه رفقة ومحبّة.

آفات المحبّة الدنيويّة

لقد أشرنا في المحاضرات الماضية إلى أنّ من جملة علل حبّ الإنسان للآخرين هو إدراكه شكلاً من أشكال الكمال في المحبوب. وهذه الحاجة موجودة في كيان الإنسان، وهو لذلك يكنّ لبعض الناس مشاعر الحبّ. فالطفل - بدايةً - يحبّ والديه من حيث إنّ كلّ وجوده متعلّق بهما. وشيئاً فشيئاً يضاف الأقارب والأصدقاء إلى القائمة حتّى يصل الأمر إلى حبّ أشخاص على خلفيّة ما يتمتّعون به من كمال. لكنّ جميع هذه الأشكال من المحبّة تنطوي على آفات عديدة. فليس من بين هذه الأشكال ما يدوم؛ ذلك أنّ الأب والاُمّ والأرحام سيرحلون يوماً عن هذه الدنيا. كما أنّ كمال المحبوب وجماله ليسا بالأمرين الدائميّين. وناهيك عن هذه الآفة فإنّ جميع الذين يحبّهم المرء لكمالهم يملكون - في الغالب – عيوباً أيضاً. فالإنسان في بداية المطاف لا يلتفت إلى هذه العيوب، لكنّ الأخيرة تبدأ بعد برهة بالظهور تدريجيّاً، الأمر الذي يقود إلى خفوت المحبّة، بل وقد يصل الأمر إلى أن يحلّ البغض والعداء محلّها، إلى درجة محاولة المحبّ قتل من كان يحبّه. وهذه من جملة آفات المحبّة الدنيويّة. وحتّى في يوم القيامة فسيتحوّل الذين كانوا يودّون بعضهم في الدنيا إلى أعداء لما يرونه من ارتكابهم - بسبب حبّهم - أعمالاً ما كان ينبغي لهم أن يرتكبوها؛ كَأَن يتغاضوا – في حالة المحبّة - عن عيوب الطرف المقابل فيعمدوا – من أجلهم - إلى فعل اُمور لا يرضى بها الله عزّ وجلّ. أي إنّهم يشعرون بأنّ محبّتهم تلك قد غدت سبباً في عذابهم، وعندها ستتحوّل محبّتهم إلى عداوة؛ كما في قوله تعالى: «الأَخِلاّءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاّ الْمُتَّقِينَ»[1]؛ أي إنّ جميع الأصدقاء والأحبّة سيصبحون أعداء لبعضهم البعض إلا الذين كانت محبّتهم قائمة على التقوى.

سبيل إلى استجلاب محبّة الحبيب!

البحث الذي خضناه إلى الآن كان يدور حول قيمة محبّة الله وسبل نيلها. وانّ إحدى هذه السبل هي الإفادة من النماذج الطبيعيّة والعاديّة للمحبّة. إذ علينا أن ننظر ما الذي يفعله المرء عندما يريد إقامة علاقة حبّ مع شخص آخر؟ إنّ أفضل لذّة يشعر بها المحبّ تجاه محبوبه هي عندما يبادله المحبوب الحبّ أيضاً. إذن يتحتّم على المرء أن يفعل ما يدفع المحبوب لإقامة علاقة حبّ معه أيضاً، وأن يتصرّف – من أجل ذلك – وفقاً لما يُرضيه. فإذا أراد المرء تكوين علاقة حبّ مع أحد ثمّ بدر منه سلوك لا يحبّذه المحبوب فسوف لن تقوم بينهما علاقة قويّة على الإطلاق؛ إذ لا تقوم علاقة عاطفيّة بين شخصين إلا إذا رضي كلّ منهما – في اتّجاه معيّن - على صاحبه. وبالطبع فإنّ لهذه الرغبة حالات من الإفراط أيضاً؛ كَأَن يرغب الإنسان في أن يحبّه محبوبه أكثر من الآخرين أو أن لا يحبّ أحداً سواه. وهذه هي عين الآفة التي ابتُلي بها إخوة يوسف (عليه السلام) في محبّتهم البشريّة؛ إذ وَدّ كلّ واحد منهم أن يحبّه أبوه أكثر من يوسف (عليه السلام) لكنّهم شاهدوا أنّ أباهم يحبّ يوسف أكثر منهم. وهذا ما دفعهم إلى الإقدام على قتله حتّى انتهوا إلى إلقائه في البئر. فعلى الرغم من أنّ الحقّ كان يستدعي منهم أن يَكنّوا ليوسف – الذي يتمتّع بكلّ هذه الفضائل والكمالات – أشدّ محبّة، لكنّ أنانيّتهم وحبّهم لذواتهم وصفة الاستئثار فيهم قد دفعهم ليس إلى عدم محبّة أخيهم فحسب، بل وإلى محاولة قتله أيضاً.

والمحصّلة هي أنّ الطريق الطبيعيّة للارتباط عاطفيّاً بالآخرين هي أن يفعل المرء ما يجلب رضاهم. فجميع الناس يدركون هذا الأمر فطريّاً ويحاولون جاهدين عدم إظهار ما يؤذي محبوبهم كي لا يشكّل عائقاً أمام إقامة العلاقة العاطفيّة معه. فإنْ رغبنا في إقامة صلة محبّة مع الله تعالى فلابدّ من اتّباع نفس الطريقة. فإذا أتينا بما يرضي الله عنّا، فإنّه تعالى سيحبّنا لا محالة، وسيُصار – تبعاً لذلك - إلى تقوية هذه العلاقة بشكل متصاعد. وقد ذكرت الأخبار التفاتات غاية في اللطف في هذا الصدد لا بأس أن نذكر بعضاً منها من باب التيمّن والتبرّك.

آثار الاُنس بالله

لقد امتاز نبيّ الله داوُد (عليه السلام) من بين سائر الأنيباء في مناجاته مع الله عزّ وجلّ، وعندما كان (عليه السلام) يشتغل في الدعاء والذكر وتنمية الحبّ مع ربّه كانت الجدران والجمادات والطيور تردّد معه[2]. بل حتّى الكتاب الذي تركه نبيّ الله داوُد (عليه السلام) فإنّه يحتوي على هذه الحوارات المشحونة بالحبّ بين الله جلّ شأنه وداوُد. بالطبع داوُد هذا هو نفس ذلك الرجل الذي قتل جالوت في حرب طالوت ضدّ الكفّار، وهو عين ذلك الشخص الشجاع اللامع الذي تميز من بين سائر الجند بهذه المهارة؛ حيث تمكّن من قتل قائد جيش العدوّ وهزم جيشه شرّ هزيمة. فلقد اصطفاه الله بعد ذلك للنبوّة وأعطاه منصب القضاء والحكم في الناس. أمّا الملاحظة التي ينبغي التنبّه إليها هنا فهي أنّه خلافاً لبعض الفِرَق التي تدّعي العبادة والتقرّب إلى الله، والتي تزعم أنّ الإنسان إمّا أن يكون محبّاً لله عابداً له، أو أن يكون ناشطاً اجتماعيّاً، فإنّ الله تعالى اسمه يقدّم لنا اُنموذج داوُد (عليه السلام) الذي يظهر – من ناحية - بمظهر البطل المغوار الذي يقتل قائد جيش الكفر ويكون سبباً في النصر، ثمّ يمنحه الله بعد النبوّة منصب الحكم والقضاء، ثمّ تكون له – من ناحية اخرى – مثل هذه العلاقة مع الله بحيث يتجاذب معه أطراف حديث ملؤه التفاني والمحبّة. ونتلو الآن نموذجاً من كلام الله تعالى مع نبيّه داوُد (عليه السلام):

«يا داود أبلِغ أهل أرضي أنّي حبيب مَن أحبّني»، فإنْ رغب امرؤ في بناء علاقة مودّة معي فأنا على استعداد لذلك. «وجليس مَن جالسني، ومؤنسٌ لمَن أنِس بذكري» فاُخرِجُه من عُزلته ووحشته. «وصاحب لمَن صاحَبَني» فأنا حاضر لرفقته. «ومختار[3] لِمَن اختارني، ومطيع لمَن أطاعني، ما أحبّني أحد أعلَمُ ذلك يقيناً من قلبه إلا قبِلتُه لنفسي وأحببته حبّاً لا يتقدَّمُه أحد من خلقي»؛ أي لا يسبقه أحد من الخلق في محبّتي له. «مَن طلبني بالحقّ وجدني ومَن طلب غيري لم يجدني». ثمّ يبعث الله سبحانه وتعالى رسالة إلى الناس فيقول: «فارفضوا يا أهل الأرض ما أنتم عليه من غرورها وهلمّوا إلى كرامتي ومصاحبتي ومجالستي ومؤانستي»؛ فأسباب الخداع والغرور هذه ليست هي ضالّتكم الحقيقيّة. «وآنسوني أؤانسكم وأُسارع إلى محبّتكم»[4]؛ فإن أنتم أنستم بي فإنّني لا أكون أنيساً لكم فحسب، بل ساُخرجكم من وحشتكم وعزلتكم، بل وساُحبّكم أيضاً.

الله خاصّة للمحبّين!

لقد ذكر كتاب «عدّة الداعي» ضمن أخبار نبيّ الله داوُد (عليه السلام) عبارةً تثير العجب. وإنّ قراءتها - وإنْ كنّا لا نستوعبها جيّداً – لا تخلو من فائدة كي نعلم أنّه - مضافاً إلى الخبز والماء والجاه والمناصب التي نبذل من أجلها جهوداً جبّارة ونقدّم في سبيلها الغالي والنفيس - فإنّه ثمّة اُمور اُخرى.

يقول ربّ العزّة: «يا داوُد! ذكري للذاكرين»؛ فإذا أنتم ذكرتموني، فأنا أيضاً سأذكركم. فقد ورد في بعض الأخبار [ما مضمونه] أنّكم إذا ذكرتموني في خلواتكم، فإنّني سأذكركم في عرشي ومقامي، وإنْ ذكرتموني بين الناس، فإنّني سأذكركم واُنوّه بأسمائكم أمام الملائكة وسكّان السماوات والملأ الأعلى. «وجنّتي للمطيعين، وحبّي للمشتاقين، وأنا خاصّة للمحبّين»[5]؛ أمّا بالنسبة للذين يكنّون لي حبّاً خالصاً، والذين وقفوا قلوبهم عليّ فقط، وطردوا كلّ أنواع الحبّ الاُخرى منها، فإنّني لهم. ولعمري فإنّ هذا المقطع ينطوي على مبحث غاية في علوّ المضمون؛ فإنّك عندما تحبّ امرأً فإنّك تقول له: إنّ أموالي تحت تصرّفك. فإن أحببته أكثر فستقول له: في أيّ وقت تطلبني فستجدني في خدمتك. أمّا في المرحلة الأخيرة فإنّك ستقول له: روحي فداك. فإنّ آخر ما يتسنّى لامرئ هبته لغيره هو نفسه وروحه. يقول عزّ من قائل: «وأنا خاصّة للمحبّين»! وهذه الدرجة تخصّ الذي يحبّ الله حبّاً خالصاً، وهي، وإن كان التلفّظ بها جميلاً، لكنّ تحقّقها عمليّاً ليس بالأمر اليسير، وهي تتطلّب شخصاً كعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) مثلاً. نسأل الله تعالى ببركة محبّته (عليه السلام) أن يشملنا بنفحة من هذه الدرجات!

آثار الاعتصام بالله

وجاء في حديث آخر عن الإمام الصادق (عليه السلام) ما نصّه: «أيُّما عبدٍ أقبَلَ قِبَل ما يحبّ الله عزّ وجلّ أقبَلَ الله قِبَل ما يحبّ»؛ أي: أيّما عبد أقبل على ما يحبّ الله فإنّ الله سيقبل على ما يحبّ هذا العبد ويوليه اهتمامه. وبعبارة اخرى: فإنّ مَن يهتمّ بما يحبّه الله ويبذل جهده في سبيل تحقيقه فإنّ الله سيقابله بالمثل. «ومَن اعتصم بالله عصمه الله»؛ أي حفظه. والاعتصام والاستمساك هنا هو كالإمساك بحبل أو عمود بالنسبة لمن سقط من مرتفع إلى الأرض ليحول دون سقوطه. فإذا شعر المرء بهذه الحالة مع الله وأحسّ بأنّه مُعرَّض لخطر السقوط في جهنّم وفي هاوية الهلاك والضلال والغفلة والرذيلة، وعَلِم بأنّه ما من أحد قادر على إنقاذه إلا الله تعالى، فاعتصم بالله، فإنّ الله سيعصمه ويحفظه. «ومَن أقبَل الله قِبَلَه وعصمه لم يبال لو سقطت السماء على الأرض»؛ فهو مطمئنّ بحفظ الله له. «أو كانت نازلة نزلَت على أهل الأرض فشملتهم بليّةٌ كان في حزب الله[6] بالتقوى من كلّ بليّة. أليس الله عزّ وجلّ يقول: «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ‏»[7]»[8]؛ فالذي يعتصم بالله يكون من المتّقين المشمولين بقوله تعالى: «إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقامٍ أَمِينٍ‏»، فلا يشعر بالخطر.

منهج عمليّ للوصول إلى الله

إنّ انتهاج المرء منهاجاً يجعله لا يروم إذا أفاق من نومه صباحاً إلاّ فعل ما يحبّه الله جلّ شأنه، لهو أمر يتطلّب أهليّة عظيمة وهمّة عالية لسنا نحن من أهلها. لكن لا ينبغي – في هذا المضمار - أن نيأس تماماً فنحرم أنفسنا من هذا اللطف الإلهيّ. ويبدو أنّه لابدّ للمرء من وضع برنامج لحياته وأن يبدأ بالاُمور البسيطة؛ كأن يقول: ساُكرّس اليوم هذا المقدار من وقتي لله سبحانه وتعالى فلا أطلب أثناءه غير مرضاته. فهذا أمر مقدور عليه؛ إذ باستطاعة الإنسان تخصيص ربع ساعة أو نصف ساعة يوميّاً لهذا الأمر. فإذا تمكّن منه، بادر إلى تمديده شيئاً فشيئاً. وفي المرحلة التالية سيبادر الله سبحانه وتعالى إلى إعانة هذا العبد ويمدّه بالمزيد من الموفقّية والقدرة على إنجاز ما هَمّ به؛ إذ أنّه: «مَن تقرّب إلَيّ شبراً تقرّبتُ إليه ذراعاً»[9]. وبغضّ النظر عن هذا، فحتّى الخطوة الاُولى هذه فإنّها لا تتمّ إلا بعناية من الله عزّ وجلّ؛ إذ أنّه: «ما لم يبادر المحبوب إلى جذب المحبّ فإنّ مساعي المحبّ المسكين ستبوء بالفشل»[10]، فحتّى في هذه الخطوة فإنّه هو عزّ وجلّ مَن يعينه عليها لكنّه تعالى لا يتظاهر أمام الإنسان بذلك. لكن حتّى هذا العمل، وهو تخصيص المرء لربع ساعة يوميّاً لفعل ما يرضي الله فقط من دون القيام بأيّ شيء آخر، فإنّ له مراتب؛ فإنّ فيه ثواب الجنّة وأمثال ذلك على الأقلّ ولا ينبغي أن نحرم أنفسنا منه ونصاب باليأس. بيد أنّه إذا استطاع الإنسان أن ينجز عملاً صغيراً ليس لشيء سوى لأنّ الله يحبّه، فإنّه سيحظى – تدريجيّاً – بالقدرة على فعل ما هو أكثر وأفضل وأشدّ خلوصاً. كأنْ يصلّي يوميّاً – على سبيل المثال – نافلة بركعتين ويخاطب ربّه قائلاً: إلهي! حتّى وإن ألقيتني في جهنّم فإنّني ساُصلّي هاتين الركعتين ليس لشيء سوى لأنّك تحبّ ذلك.

وفّقنا الله وإيّاكم إن شاء الله 


1. سورة الزخرف، الآية 67.

2. «وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ» (سورة الأنبياء، الآية 79). نستنتج من قرينة ذكر الطيور مع الجبال أن متابعة الجبال لداود (عليه السلام) في التسبيح لم تكن مجرّد رَجْع صوت. بالطبع إنّ القرآن الكريم يصرّح بأنّ الجمادات تملك ضرباً من الشعور والإدراك؛ وذلك في قوله: «وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ» (سورة البقرة، الآية 74). كما ويقول عزّ من قائل في الطيور: «كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ» (سورة النور، الآية 41).

3. تأتي كلمة «مختار» بمثابة اسم فاعل واسم مفعول أيضاً؛ فالياء المتحرّكة ما قبل مفتوح في «مُختَيِر» و«مُختَيَر» تُقلب إلى ألف فتصبح في الحالتين «مختار». أمّا هنا فقد جاءت كلمة «مختار» اسم فاعل.

4. بحار الأنوار، ج67، ص26، نقلاً عن مسكّن الفؤاد للشهيد الثاني.

5. عدّة الداعي ونجاج الساعي، ص252.

6. جاء التعبير في هذه النسخة «حزب الله»، لكنّه من المحتمل – كما جاء في نسخ اُخرى – أن يكون «حرز الله». وعلى أيّة حال فهو إمّا أن يكون ضمن حزب الله، أو أن يكون في حرز الله؛ أي في حفظه.

7. سورة الدخان، الآية 51.

8. الكافي، ج2، ص65.

9. عوالي اللئالي، ج1، ص56.

10. في إشارة لبيت شعر بالفارسيّة يقول: تا که از جانب معشوق نباشد کششی    کوشش عاشق بیچاره به جایی نرسد.

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org