قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 20 تموز 2014م الموافق لليلة الثالثة والعشرين من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

نبذ الحماقة

45

إشارة

تناولنا في المحاضرات الماضية تلك المقاطع من حديث المعراج القدسيّ التي تحدّثت عن خصوصيّات مُحبّي الله تعالى. وقد قلنا أثناء البحث إنّ إحدى ميزات المولَعين بحبّ الله هي كون قلوبهم طافحة بمحبّته عزّ وجلّ بحيث لا يعود فيها مجال لمحبّة غيره. بيد أنّ الحديث نفسه يوصي كذلك بمودّة بعض الأشخاص وأصناف اُخرى من الناس. وقد ذكرنا في توضيح التوصيات أعلاه أنّ هذا النمط من الودّ ليس هو بمعزل عن محبّة الله تعالى، بل هو فرع وشعاع منها؛ ذلك أنّ الذي يودّ شخصاً ما فإنّه سيحبّ متعلّقاته أيضاً لأجله. ثمّ إنّ الذين اُوصي بمحبّتهم هم أولياء الله وأحبّاؤه، ولا ريب أنّ كلّ مَن يحبّ الله فإنّه سيودّ هؤلاء أيضاً لأجله سبحانه.

وقد أشرنا، متابعةً للبحث، إلى أنّ من جملة الذين يوصي الحديث بمحبّتهم هم الفقراء الذين ذكر الحديث بأنّ محبّتهم هي عين محبّة الله جلّ وعلا: «إنّ المحبّة لله هي المحبّة للفقراء»[1]. وبوسعنا أن نفهم من هذه العبارة أنّ محبّة الفقراء لا تزاحم محبّة الله.

والفئة الثانية التي جاءت التوصية بمحبّتهم هم أهل الآخرة: «أَحِبَّ الآخرة وأهلَها»[2]. ثمّ سرد الله، في تتمّة الحديث، ميزات أهل الآخرة، وفي مقابلها صفات أهل الدنيا الذين أوصانا ببغضهم. هذا وقد تطرّقنا في المحاضرات القليلة الأخيرة، بعد ذكر صفات أهل الدنيا، إلى سجايا أهل الآخرة وتكلّمنا بعض الشيء عن «الحياء» الذي هو أوّل صفاتهم وأبرزها. وسنتناول في محاضرة اليوم ثاني سجيّة من سجايا أهل الآخرة، والتي يعبّر عنها حديث المعراج القدسيّ بقوله: «قليلٌ حُمقهم»[3].

معنى الحماقة

لقد سبق أن قلنا في صفات أهل الدنيا: «وهم عند أنفسهم عُقَلاء، وعند العارفين حُمَقاء»؛ أي إنّهم يعدّون أنفسهم في قمّة العقل والفهم في حين أنّ أهل المعرفة يرونهم حمقاء. لكنّ الله عزّ وجلّ يعرّف أهل الآخرة في المقابل بكونهم: «قليلٌ حمقهم». ولابدّ من التنبّه هنا إلى أنّ هذه العبارة لا تعني وجود شيء من الحماقة عند طلاّب الآخرة، بل يُراد منها أنّه قلّما يمكن العثور في سلوك أهل الآخرة على تصرّفات غير عقلانيّة إذا ما قيست بتصرّفات أهل الدنيا، هذا وإن أتى بعضُهم أحياناً بأعمال غير مدروسة لكنّها يمكن التجاوز عنها، خلافاً لطلاّب الدنيا الذين تغلب عليهم الحماقة.

لكن ما معنى الحماقة يا ترى؟

كما تعلمون فإنّ مفردة «الجهل» تُستخدم في مقابل «العلم» وهي تُطلق على من لا يعلم بموضوع ما. أمّا الذي يأتي - على مستوى العمل - بتصرّف ينمّ عن جهل فيقال له: «أحمق». وفي المقابل فإنّ الذي يكون سلوكه صحيحاً يُنعَت بكونه «عاقلاً». ولذا فإنّ لفظة «العقل» تُستعمل في مقابل «الحُمق» في مقام العمل. بالطبع استخدام كلمة «الجهل» يستوعب أحياناً الجانب النظريّ والعمليّ على حدّ سواء. على سبيل المثال فإنّ المراد من قوله تعالى: «قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ»[4] يبدو أنّه الجهل على المستوى العمليّ.

أمّا حقيقة «الحماقة» فهي أن يأخذ المرء، في محاولته للوصول إلى هدف ما، بأسباب أو يسلك طريقاً لا يوصله إلى مراده. والحماقة – بعبارة اُخرى - هي إتيان الإنسان فعلاً يؤدّي في نهاية المطاف إلى خسرانه حتّى وإن تصوّر أنّه يحسن صنعاً. وإنّه من هذا المنطلق جاءت التوصية في الأحاديث بعدم مشاروة الأحمق، فهو وإن قصد خدمتك، لكنّه سيضرّك بسبب عدم معرفته[5].

قِصَر النظر الناشئ عن الحمق

لكن كيف تكون حماقة أهل الدنيا زائدة؟ أوَليس ما نعيشه اليوم من تنمية وتطوّر على مختلف المستويات العلميّة والصناعيّة هو صنيعة نفس طلاّب الدنيا هؤلاء؟ على خلاف أهل الآخرة الذين لا يجيدون – كما يتخيّل أهل الدنيا – غير الصلاة والدعاء والعبادة، بل ولربما اكتفى معظمهم بمجرّد إظهار القداسة! هذا مضافاً إلى أنّه من خلال مشاهدة المرء اُولئك الذين يطلبون الدنيا، واُولئك الذين لا يفكّرون إلاّ بالآخرة فبإمكانه أن يدرك أنّه ثمّة عقلاء وثمّة حمقى في كلا الفريقين، وأنّه ليس هناك تلازم بين العقل وطلب الآخرة، ولا بين حبّ الدنيا والحمق.

يبدو أنّ الحديث القدسيّ ينظر إلى المسألة من زاوية هي غير تلك التي ننظر منها نحن، الذين نُعَدّ - إلى حدّ ما - من أهل الدنيا. فإنّه إذا نظر امرؤ من الزاوية التي ينظر منها قائل الحديث فسيفهم كم أنّ أهل الدنيا حمقى.

فابن آدم - فطريّاً - هو طالب دَعة وراحة، وهو – بالطبع - يسعى لنيل الراحة الأكثر هناءً والأطول أمداً. ولهذا السبب يحبّ كلّ امرئ أن يطول عمره وهو يبذل كلّ ما بوسعه في سبيل أن يزداد عمره قليلاً. إذ يقول عزّ من قائل: «يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ»[6]. وسبب ذلك هو أنّ الإنسان يسعى بالفطرة وراء اللذّة والسرّاء. وكلّما كانت لذّته أكثر هناءً وبقاءً كان أشدّ سعادةً ورضىً. ولهذا فإنّ كلّ تصرّف يصدر في هذا المجال يُعدّ عقلانيّا. لكنّ أصحاب الدنيا - الذين يرون في تقديم لذّة ساعة من الزمن على لذّة خمسين دقيقة أمراً عقلانياً – فإنّهم يؤثرون مسرّات الدنيا الضيّقة العابرة على المتعة الأبديّة وغير المحدودة للآخرة!

لكن أيّ واحدة من اللذّتين ينبغي للإنسان العاقل أن يختار: هذه العابرة القصيرة، أم تلك الأبديّة الطويلة؟ وإذا كان الحال كذلك، فما الذي يجعل أصحاب الدنيا يغضّون الطرف عن لذائذ الآخرة الباقية بغية نيل مُتع الدنيا الفانية؟ «الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الآخِرَةِ»[7]. أليست هذه حماقة؟ فلقد تحدّث الأنبياء (عليهم السلام) جميعاً عن الآخرة. وإنّ أكثر من ثلث القرآن الكريم يتناول الحياة الآخرة. أمّا أهل الدنيا فمشغولون بإمرار معيشة يومهم الحاضر، وليَجْرِ غداً ما يجري! والله تعالى يقول: «بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ»[8]. فوفق أيّ منطق يفرّط بعض الناس بمسرّات الآخرة الأكثر عذوبةً والأطول بقاءً؟ فلو أطلنا التأمّل في هذه القضيّة واستوعبناها خير استيعاب لاكتشفنا أنّ فعلاً كهذا ليس هو إلاّ الحماقة بعينها.

النسيان عن حماقة

من وحي التجربة، التي قد تكونون أنتم أيضاً مررتم بنماذج متعدّدة منها، فإنّ المرء إذا أنجز نفس هذه الاُمور الدنيويّة المألوفة وفقاً لتعاليم الله عزّ وجلّ وطمعاً في مرضاته فإنّ الله سيرفُده بإمدادات غيبيّة لا يسعه حتّى تصوّرها. هل هي قليلة تلك التجارب المشابهة التي مرّت بنا إبّان فترة الدفاع المقدّس (أثناء الحرب بين العراق وإيران)؟ فلقد كان مجاهدونا في جبهات القتال يشهدون يوميّاً مثل هذه الأيادي الغيبيّة من جانب الله تبارك وتعالى ممّا لم يكن يُصدَّق حتّى من قِبلهم هم؟ فلقد نهض نفرٌ من الناس العاديّين دونما تجهيزات يُعتَدّ بها، بل كان أغلبهم لا يجيدون استخدام السلاح أيضاً، لمواجهة عدوّ مدجّج بالسلاح مدعوم من العالم بأسره. لكن بما أنّ هؤلاء القوم قد هبّوا لقتال عدوّ الله عن إخلاص في نيّاتهم وابتغاءً لوجه الله جلّ وعلا، فلقد مدّهم الله بالعون فانتصروا في الحرب. أمّا بعد الحرب، وكأنّه لم يبق في هذا العالم إلاّ نحن والأدوات الدنيويّة، فقد نسينا أنّه ثمّة ربّ فوق رؤوسنا أيضاً!

إنّ أهل الآخرة لا ينسون مثل هذه التجارب، وهم يفيدون منها باستمرار. أمّا أهل الدنيا فهم غارقون في النسيان. أوَليس نسيان وعود الله جلّ شأنه ووعود نبيّه الكريم (صلّى الله عليه وآله)، والكمّ الهائل من الآيات والروايات، والتجارب العينيّة التي تُذكّرنا بحضور الله تعالى في جميع المجالات والميادين – أوَليس كلّ ذلك من الحماقة؟

فالله عزّ وجلّ يُذَكّرنا باستمرار بأنّه تعالى قد جعل في شؤون الدنيا من السنن ممّا لو أفاد منه الإنسان جيّداً فسوف يظفر في نفس هذه الحياة الدنيا بضروب من النجاح في نيل رغباته الدنيويّة. إحدى هذه السنن هي البركات المترتّبة على الشكر؛ كما في قوله تعالى: «لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ»[9]. أمّا أهل الدنيا فعوضاً عن شكر أنعم ربّهم، فإنّها تُمحى من أذهانهم، وتراهم دائمي الشكوى من عدم تلبية بعض حوائجهم.

والسنّة الاُخرى هي الثمار الحاصلة من الاستغفار. يقول عزّ وجلّ: «اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلى‏ قُوَّتِكُم»[10]. فإنّكم إن استغفرتم ربّكم ثمّ تبتم من ذنوبكم فسيرسل الله السماء عليكم برحمة المطر ولا تُبتلون بالجفاف والقحط، وسوف تتعاظم قوّتكم أيضاً. لكن ماذا يصنع الإنسان عوضاً عن الالتفات إلى هذه السنّة واستغلالها؟ إنّه يصنع سحاباً صناعيّاً كي يحصل منه على أمطار اصطناعيّة! ولربّما فاقت تكاليف هذا العمل ثمارَ نفس المطر الذي سيهطل. غير أنّ أهل الدنيا، وبدلاً من أن يتوبوا إلى بارئهم ويستغفروا ربّهم، ويصطفّوا لأداء صلاة الاستسقاء، فإنّهم يضعون آمالهم في مطر اصطناعيّ ينزل عليهم من سحاب مُصطنع! أوَليست هذه حماقة؟

أو ترى اُولئك الذين كانوا إلى الأمس القريب رفاقَ درب وقتال وزملاءَ عمل، يعمل كلّ واحد منهم اليوم على تخريب صورة زميله في السباق السياسيّ، فيتغاضى عن أعماله الحسنة ويتحدّث كما لو لم يبدر من زميله أيّ صنيع إيجابيّ أبداً. وعوضاً عن العمل على تلاقح الأفكار ووضع اليد في يد الصديق، تراه يمدّ - سرّاً - يد الحاجة إلى العدوّ فيطلب منه المعونة! أليست هذه حماقة؟ أوَليس من الحماقة أن يتخلّى المرء عن أصدقائه ورفاقه ويمدّ يد العوز والحاجة إلى عدوٍّ قد ثبت منه الخداع والمصلحيّة الدنيئة مراراً؟!

الكِبْر الناشئ عن الحمق

إنّ أهل الآخرة ينظرون أوّلاً إلى ربّهم، فإن شقّت عليهم معيشتهم، وكان الله راضياً عنهم، لم يشتكوا أبداً، بل يكون كلّ اعتمادهم على الله وجميع أملهم فيه سبحانه، فهم يقولون: «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ‏ الْوَكِيلُ»[11]. بل حتّى إذا اجتمع الأعداء لإبادتهم وإفنائهم قالوا: «هٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ»[12]. فلقد وعدَنا الله سابقاً مثل هذا الرزق، «حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ‏ الْوَكِيلُ»، فإنّ الله كافٍ لنا. فلو مال عنّا جميع الأنصار والأحبّة أيضاً فسوف لا يساورنا القلق، إذ أنّ الله عزّ وجلّ معنا، وهو العوض عن الكلّ وهو فوق الجميع. هكذا هم أهل الآخرة. أما أهل الدنيا فقد يُظهرون الأمل في نصرة الله على ألسنتهم، لكنّهم يتّكلون، في قلوبهم، على القدرات المادّية، وصراعهم مع الآخرين، ثمّ في النهاية على المعونات الخارجيّة، حتّى تلك التي من عدوّهم. فهل يصحّ منّا – مع كلّ ما مرّ – أن نعتبر هؤلاء عقلاء؟

بطبيعة الحال إنّ أهل الدنيا يتفاخرون بكونهم يفهمون فنون السياسة ويعلمون من أين تُؤكَل الكتف وكيف يستغلّون العدوّ، وهم يعدّون أنفسهم من العقلاء ويرون الآخرين اُمّيين جَهَلة، والحال أن ّالله تعالى يقول في حديث المعراج: «وهم عند أنفسهم عُقَلاء، وعند العارفين حُمَقاء».

فمَن هو الأحمق إذن؟ إليس ذلك الذي نسي الله واليوم الآخر، وأدار ظهره إلى الإمدادات الغيبيّة، ولم يُلقِ بالاً إلى توسّل الناس ودعائهم في ليالي القدر، وتشبّث – عوضاً عن ذلك كلّه – بأذيال أمريكا علّها تعيد إلينا بعض الذي سرقته هي منّا؟ أوَليست هذه حماقة؟ «وهم عند أنفسهم عُقَلاء، وعند العارفين حُمَقاء».

فإن كان الأمر كذلك فما هو إذن معنى الآيات والأحاديث الكثيرة التي توصي الإنسان بالأمل في نصرة الله تعالى؟ ألم يقل ربّ العزّة: «وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ»[13]. فما كان من المسلمين يوم وقعة بدر، وقد كانوا قليلي العدد وخالي الوفاض من العُدّة والسلاح وهم يواجهون جيش قريش الجرّار المدجّج بالسلاح في حالة من الذلّ والبؤس – ما كان منهم إلاّ أن يلجأوا إلى الله تعالى ويستغيثون به: «إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ‏»[14]، وما كان من الله تعالى في المقابل إلاّ أن يمدّهم  «بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ»[15]. أوَتكذب علينا هذه الآيات يا ترى؟!

لقد سمعتُ من لسان نفس السيّد حسن نصر الله حفظه الله إذ نقل: «بعد حرب تمّوز التي دامت ثلاثة وثلاثين يوماً بين حزب الله والكيان الصهيونيّ، وُجّهت في لقاء مع بعض قادة جيش الاحتلال في تلفزيون العدوّ أسئلة حول أسباب هزيمتهم أمام جنود حزب الله وهم قلّة، فكان جوابهم: لقد هُوجِمنا في هذه الحرب من قِبل أشخاص كانوا يرتدون ثياباً بيضاً ويحملون في أيديهم السيوف فلم نستطع الصمود بوجههم ولم نجد بُدّاً من الفرار أمامهم». هذه كانت تصريحات قادة جيش الكيان الصهيونيّ حول علّة انكسار جيشهم أمام جند حزب الله والتي بثّها تلفزيون الكيان نفسه. فما الذي كان يملك جنود حزب الله يا ترى غير الإخلاص والتضحية في سبيل الدين؟ وقد مدّ الله تعالى لهم يد العون حتّى استطاعوا بمفردهم وبأيدٍ خالية هزيمة أكبر قوّة عسكريّة في الشرق الأوسط، كانت قد هزَمتْ يوماً بضع دول عربيّة في غضون ستّة أيّام فقط!

فهل يصحّ لمن آمن بالقرآن والسنّة وبهذه التجارب الواقعيّة أن يقول: لا نستطيع التفوّه بكلمة في وجه إسرائيل؟! أوَليس هذا من الحماقة؟

خداع النفس على خلفيّة الحمق

إنّ مَثَل أصحاب الدنيا كمَثَل أطفال يفرّطون في لعبهم الصبيانيّ بجواهر نفيسة ثمناً لبضعة أكياس من رقائق البطاطس المقليّة ثمّ يتفاخرون بصفقتهم تلك! فأهل الدنيا يفرحون بخداع الناس وتخريب صورة الآخرين من أجل الحصول على مناصب تدوم لهم بضعة أيّام في هذه الدنيا غافلين عن قوله تعالى: «أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ‏ أَهْلَكْنَا مِنْ‏ قَبْلِهِمْ‏ مِنَ الْقُرُونِ»[16]؟ فأين يا ترى ذهب فرعون، الذي كان يقول: «أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَىٰ»[17] فيخرّ الناس أمامه سُجَّداً؟ أوَنَنسى الله تعالى، ونضع الدين جانباً، ونمنّي أنفسنا فرحين بأنّ العدوّ سيعيد لنا أموالنا؟ وكلّ ما نأمله من الإسلام هو أن يكون طلبتنا وأساتذة جامعاتنا على معرفة بثقافتهم الإسلاميّة بمستوى إطّلاعهم على ثقافتهم الوطنيّة! لكن لنسأل أنفسنا: ما هو المراد من معرفة الإسلام؟! أوَلم يكن طلبتنا الجامعيّون في زمان النظام الشاهنشاهيّ على معرفة بالإسلام؟ بل وحتّى الكيان المحتلّ للقدس يمتلك اليوم مراكز أبحاث حول التشيّع يقصدها الناس من جميع أنحاء العالم للاطّلاع على مذهب التشيّع!

فلطالما أكّد قائد الثورة الإسلاميّة (دام ظلّه) على أنّ المراد من الثقافة هي تلك الثقافة الإسلاميّة الثوريّة، وأنّه لابدّ من إشاعتها بين الناس، لا أن يُكتفى بتعرّف الطالب الجامعيّ على هذه الثقافة. فهل يكفي يا ترى أن يتعرّف الطالب والاُستاذ الجامعيَّان على الثقافة الإسلاميّة، بالضبط كما يطّلعان على الثقافة الوطنيّة وتاريخ إيران القديمة؟ هل هذا هو هدف الثورة الإسلاميّة؟ فكيف لنظام يصبو إلى هدف سيادة الثقافة الإسلاميّة على العالم بأسره أن تصل به الاُمور إلى التفكير بمجرّد تعريف الطلبة بالثقافة الإسلاميّة إلى جانب الثقافة الإيرانيّة؟ أيكون لهذا معنى آخر غير الحماقة؟

«هم عند أنفسهم عُقَلاء، وعند العارفين حُمَقاء». نسأل الله تبارك وتعالى أن ينجينا جميعاً من هذا اللون من الحماقة وكلّ حماقة.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين



[1]. بحار الأنوار، ج74، ص23.

[2]. إرشاد القلوب، ج1، ص201.

[3]. إرشاد القلوب، ج1، ص201.

[4]. سورة البقرة، الآية 67.

[5]. «لا تُشاور أحمقَ.. الأحمق يجهدُ لك نفسَه ولا يَبلغُ ما تريد»، بحار الأنوار، ج75، ص230.

[6]. سورة البقرة، الآية 96.

[7]. سورة إبراهيم، الآية 3.

[8]. سورة الأعلى، الآيتان 16 و17.

[9]. سورة إبراهيم، الآية 7.

[10]. سورة هود، الآية 52

[11]. سورة آل عمران، الآية 173.

[12]. سورة الأحزاب، الآية 22.

[13]. سورة آل عمران، الآية 123.

[14]. سورة الأنفال، الآية 9.

[15]. سورة الأنفال، الآية 9.

[16]. سورة السجدة، الآية 26.             

[17]. سورة النازعات، الآية 24.

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org