قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 30 نيسان 2014م الموافق للثلاثين من جمادى الثانية 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

18

إكسير المحبّة

 

تذكُّر أنعم الله هو السبيل لمحبّته تعالى

تحدّثنا في المحاضرات الماضية قليلاً عن سبل اكتساب محبّة الله وقلنا إنّ الحياة الدنيا تقتضي ممّن هم في المراتب الدنيا من المعرفة أن يحبّوا الأشياء المادّية والمحسوسة بحيث تمثّل الأخيرة لذّة لهم بشكل أو بآخر. لكنّه بعد أن يمنّ الله تبارك وتعالى علينا بمعرفته، كلٌّ بحسب استحقاقه، فإنّ أرضيّةً لمحبّته ستتهيّأ في أنفسنا شيئاً فشيئاً. وفي مثل هذه المراتب، وكما أوصت به الروايات، فإنّه من أجل نيل محبّة الله عزّ وجلّ يتعيّن - عادةً - التفكّر في آلائه جلّ وعلا. فإنّ الإنسان قد جُبل بشكل فطريّ وطبيعيّ على حبّ كلّ من يسدي إليه خدمة أو ينعم عليه. ومن هنا فإنّنا كلّما أطلنا التفكير في أنعم الله وآلائه وتعمّقنا في إدراك قيمتها، فإنّه سيتهيّأ في قلوبنا مناخ أوسع لمحبّته. ولحسن الحظّ فإنّ الكثير من آيات الذكر الحكيم تنهض بهذا الدور وتذكّر بأنعم الله سواء تحت شعار «آيات الله» أو تحت عنوان ذكر النعم الخاصّة، وهي تحاول أن تجعلنا نستوعب مدى نفاسة هذه النعم التي منّ الله بها علينا!

لكنّنا معاشر البشر، وبسبب ما ابتلينا به من صنوف الضعف وألوان النقص، لا نفكّر بقيمة آلاء الله كما ينبغي. والقرآن الكريم في هذا المجال يخاطبنا بهذه اللهجة: «وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ»[1]؛ فهو يقول لنا: يجب أن تفكّروا بهذه النعم وتتمعّنوا في مدى قيمتها ونفاستها كي تشكروها. لكنّنا، وعلى الرغم من أنّنا نقرأ هذه الآية عشرات المرّات، فإنّنا وبكلّ بساطة ننبذها في كلّ مرّة وراء ظهورنا ولا نفكّر حتّى لبضع دقائق بمدى عظمة هذه النعم. ونحن لا ننتبه إلى أنفسنا ولا نصاب بالصدمة إلاّ عندما تتعرّض إحدى هذه النعم للخطر وعندها نكتشف مدى أهمّية هذه النعمة. لكن لمّا كان الله تعالى يعلم بأنّ سلّم رقيّنا وتسامينا يكمن في محبّتنا إيّاه فإنّه يتغاضى عن تقصيراتنا ويعيد تذكيرنا بآلائه ويوعز لأنبيائه بأن ذكّروا الناس بأنعمي كي يحبّوني. وقد يشتكي الله من البشر أحياناً بقوله: «وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ»[2]. ومع كلّ هذا التأكيد من قبل الله على الشكر فإنّ الشاكرين قليلون.

المحبّة الأصيلة والمحبّة التابعة

من الواضح أنّ هذا النمط من المحبّة يتعلّق أصالةً بالنعم؛ فنحن ابتداءً نكتسب محبّة غير الله ثمّ ننفذ من خلالها إلى محبّة الله. فمثلاً عندما يفكّر المرء بعينه يكتشف أنّه يحبّها وأنّه على استعداد لبذل الملايين بل المليارات من أجل سلامتها. فإذا أدركنا مدى حبّنا لهذه العين فإنّنا سنحبّ مَن وهبنا إيّاها. وهذا النمط من الحبّ هو بسبب قصورنا وضعفنا، ولكن ما في اليد حيلة. وحتّى بالنسبة لمعرفة الله فإنّنا نتعامل معها بنفس الطريقة. لكنّه ثمّة نمط آخر من الناس في مجال اكتساب معرفة الله وهم الذين يخاطبون ربّهم قائلين: «بك عرفتُكَ وأنت دللتَني عليك‏»[3]؛ أي: إلهي! لقد عرفتك عن طريقك وليس عن طريق مخلوقاتك. فأنت مَن أخذتَ بيدي ودللتني عليك. وحتّى فيما يخصّ المحبّة فقد رُوي عن أئمّتنا (صلوات الله عليهم أجمعين) أنّهم يخاطبون ربّهم بمضامين من قبيل: إنّني اُحبّك أنت لا غيرك، ولا اُحبّ غيرك إلاّ فيك. وهي مضامين غاية في الروعة، لكنّنا لا ندرك معانيها جيّداً. بيد أنّه بمقدورنا أن نصدّق إجمالاً بأنّ لله عبيداً يدركون اُموراً هي أعلى من مستوى فهمنا بكثير.

فنحن – بشكل طبيعيّ – نعرف النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ابتداءً، لكنّنا كلّما أطلنا التفكير في عظمة نعمة وجوده (صلّى الله عليه وآله) والبركات التي حظينا بها بسببه ازداد حبّنا له. لكن النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) نفسه يقول: أحبّوني في الله، وأحبّوا أهل بيتي وعترتي فيَّ. بمعنى أنّ المحبّة تبدأ من الأعلى؛ فمحبّة الله هي البداية، ثم تسري هذه المحبّة من الله إلى نبيّه (صلّى الله عليه وآله) ومن الأخير إلى أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء وأولادهما المعصومين (سلام الله عليهم أجمعين)، ثمّ إلى أوليائهم من بعدهم. وهذا هو شكل من أشكال سريان المحبّة الذي لا نعرفه جيّداً.

وللتقريب إلى الأذهان نقول: تنقسم المحبّة إلى نمطين: أصيلة وتابعة. وقد تحدّثنا في المحاضرة السابقة بعض الشيء عن علّة كون المحبّة في الله من أفضل العبادات، حيث ذكرنا أنّ هذه المحبّة ليست فعلاً مستقلاً، بل إنّها شعاع من نفس محبّة الله عزّ وجلّ. إذ لابدّ من وجود دافع لأفعالنا نحن البشر، أيّاً كانت هذه الأفعال. لكنّنا عندما نحبّ الله تعالى، فإنّنا سنحبّ أولياءه بشكل عفويّ. وليس لهذه المحبّة سبب وعلّة، فإنّ محبّة المقرَّبين إلى الله لا تمثّل فعلاً منفصلاً عن محبّة الله نفسه. وهذا بالضبط كحبّنا لضريح السيّدة فاطمة المعصومة (سلام الله عليها) وباب حرمها وتراب صحنها على خلفيّة حبّنا لها (سلام الله عليها). ويطلق على هذا النمط من المحبّة: المحبّة التابعة.

إذا كان للإنسان محبوب واحد أصيل فقط وهو الله، فإنّه النموذج المثاليّ للمحبّة في الله. إذ لابدّ أن يكون للإنسان محبوب واحد، وأن لا يحبّ باقي الأشياء إلاّ لكونها من متعلقّات وأشعّة هذا المحبوب. فهذا سيّد الشهداء (عليه السلام) يخاطب ربّه في يوم عرفة قائلاً: «أنتَ الذي أزلتَ الأغيار عن قلوب أحبّائك حتّى لم يحبّوا سواك»[4]. ففي هذه الحالة تكون محبّة رسول الله وأهل بيته المنتجيبن (عليهم السلام) شعاعاً من محبّة الله تبارك وتعالى، وليس شيئاً آخر. وهذا اللون من المحبّة له قيمة عظمى. فإذا أصبح الإنسان بهذه الصورة فسيكون مصداقاً للرواية القائلة: «...فلو عَلِم الخلقُ ما محلّه [المحبوب عند الله] عند الله ومنزلته لديه ما تقرّبوا إلى الله إلاّ بتراب قدميه»[5].

تحويل المحبّة التابعة إلى محبّة أصيلة

إنّ الواصلين إلى محبّة الله عن طريق محبّة المخلوق تكون محبّتهم للآخرين مستقلّة في بداية الأمر؛ بالضبط كما يحبّ المرء وردة بسبب جمالها ورائحتها العطرة، إذ قد لا يخطر بباله بدايةً أنّه ثمّة ربّ قد خلقها. لكنّه إذا فكّر بالذي منح هذه الوردة كلّ هذا الجمال، وتأمّل بكيفيّة نشوء هذه الألوان الزاهية والعطور الفوّاحة من تراب ملوّث وأسمدة قذرة، وبمن دبّر كلّ ذلك، فإنّه ستتهيّأ له سبيل للتحوّل من هذه المحبّة إلى محبّة الله جلّ شأنه.

فهذه المحبّة ستحدّ تدريجيّاً من استقلاليّة محبّة المخلوق وتحوّلها إلى محبّة تابعة. فالفنّ الذي مارسه الله عزّ وجلّ في عمليّة خلق روح الإنسان هو فنّ مدهش للغاية؛ فالمحبوب الذي يكون – بادئ ذي بدء - محبوباً للمرء بالأصالة يفقد بريقه وتتلاشى أصالته! فالمتمعّن في كلام أئمّتنا المعصومين (صلوات الله عليهم أجمعين) يلاحظ كيف أنّهم يرسمون للإنسان هذا الطريق بغية تربيته؛ فهم يحثّونه - بدايةً - على حبّ الصديق المؤمن: «ما التقى مؤمنان قطّ فتصافحا إلاّ كان أفضلهما إيماناً أشدّهما حبّاً لصاحبه»[6]. ومن الواضح أنّ قيمة هذه المحبّة تنبع من إيمان المحبوب، وأنّ أنواعها الاُخرى ليست هي ذات قيمة، بل وقد تكون أيضاً مثاراً للمتاعب وعقبة أمام محبّة الله عزّ وجلّ.

وقد نقلت الروايات ما مضمونه أنّ المؤمنَين إذا تصافحا شعّ نور أحدهما على الآخر وكان لقاؤهما سبباً في ازدياد نورانيّتهما. كما وجاء في الخبر أيضاً: «إنّ ملَكاً مرّ برجل على باب فقال له: ما يقيمك على باب هذه الدار؟ فقال: أخٌ لي فيها أردتُ أن أسلّم عليه. فقال له الملَك: بينك وبينه قرابة أو نزعَتكَ إليه حاجة؟ فقال: لا ما بيني وبينه قرابة ولا نزعتني إليه حاجة، إلاّ أُخُوَّة الإسلام وحُرمَتُه فأنا أسلّم عليه وأتعهَّدُه لله ربّ العالمين. فقال له الملك: أنا رسول الله إليك وهو يُقرئك السلام ويقول لك: إيّايَ زرتَ ولي تعاهدْتَ وقد أوجبتُ لك الجنّة وأعفيتك من غضبي وأَجَرتُك من النار»[7]؛ أي: إنّك لم تأت لزيارة أخيك المؤمن هذا بل أتيت لزيارتي وعليّ ضيافتك. وجاء في حديث آخر: «انّ المؤمنَين إذا التقيا فتصافحا أنزل الله عزّ وجلّ بينهما مائة رحمة تسعة وتسعون منها لأشدّهما حبّاً لصاحبه»[8]. وبالطبع فإنّه لا تكون لهذه المحبّة كلّ هذه الميزات إلاّ إذا كانت في الله وليس لأجل حبّ الدنيا.

محبّة المؤمن جسر لمحبّة الله

إنّ محبّة المؤمن لأخيه هي السبيل الممهّدة لنموّ المعرفة والمحبّة والكمال والتقوى ومن ثمّ التقرّب إلى الله تعالى، وهذا هو الداعي من وراء كلّ هذا الحثّ من قبل الله تعالى عليها. فعندما يلتقي المؤمنُ بالفاسق يشعر وكأنّ رائحته النتنة قد زكّمت أنفه، أمّا إذا التقى بالمؤمن وتجاذب معه أطراف الحديث – حتّى وإن لم يقصد من ذلك شيئاً – انبعث في قلبه نور وأحسّ برغبة أكبر في القرآن وأهل البيت (عليهم السلام) وذكر الله تعالى.

وعلى الرغم من كون هذا النمط من المحبّة متعلّقاً بالمخلوقات، غير أنّه إذا لم يتعارض مع محبّة الله سبحانه وتعالى وكان عنصر الإيمان داخلاً في متعلَّقه – ولو بعنوان جزء العلّة – فإنّه سيؤدّي تدريجيّاً إلى اشتداد إخلاص المحبّة لله وازديادها، وهو ما سيقود شيئا فشيئا إلى سلب الأصالة من المخلوقات المحبوبة. وفي هذه المرحلة لا تعود ثمّة محبّتان، بل محبّة الله فحسب. وبتعبير آخر فإنّ الإنسان في هذه الحالة لا يعود يرى في وجود أخيه المؤمن غير الاُمور الإلهيّة وهو يحبّه لأجلها. وهنا تتحوّل هذه المحبّة الأصيلة إلى محبّة تابعة. وهذا لعمري شيء عجيب، وإنّ المرء إذا ما اهتمّ به فسوف يتولَّد عنده بسبب هذا الضرب من المحبّة للاُمور الدنيويّة وبتوفيق من الله عز ّوجل ّوعبر التوسّل بأهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام)، مزيد من الالتفات والتوجّه إلى الله تعالى.

ومن هنا فلابدّ لنا من الاهتمام بمحبّة أحبّاء الله وأن نحبّ بالدرجة الاُولى كلّ مؤمن. فإن كان المؤمن من ذرّية رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فستناله محبّة أكبر لأنّ انتسابه لأولياء الله أشدّ. ثمّ تنمو محبّة الإنسان لكلّ مَن فاق الآخرين في التقوى والعلم حتّى يصل به الأمر إلى حبّ أعظم العلماء لا لسبب إلاّ لأنّه خادم متواضع من خدّام صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرَجه الشريف)؛ فإمامنا الخمينيّ الراحل (قدّس سرّه) كان يقول عند ذكره الوجود المقدّس المتمثّل بصاحب الزمان: «روحي وأرواح العالمين لتراب مَقدَمه الفداء».

تعجّب الاستاذ المصريّ من كلام الإمام الراحل

يروي أحد فضلاء الحوزة العلميّة الكبار عندما تشرّف بحج بيت الله الحرام في السنوات الاُولى بعد انتصار الثورة الإسلاميّة: في يوم من الأيّام كنت جالساً في المسجد الحرام وإذا بشخص كان يجلس إلى جواري يقول لي بالعربيّة: أأنتَ إيرانيّ؟ قلت: أجل. قال: أنا استاذ جامعيّ من مصر أحبّ الإمام الخمينيّ ولديّ سؤال. فقلت: تفضّل. قال: في الحقيقة إنّني كنت أتصوّر أنّ العالم الإسلاميّ لم ينجب بعد النبيّ الأكرم (صلّى الله عليه وآله) شخصيّة بعظمة الإمام الخمينيّ، لكنّني أحياناً أسمع في كلامه عبارة تثير عجبي، فهو أحياناً ينوّه باسم شخص ثمّ يقول: روحي لتراب مقدمه الفداء! فمن هو هذ الشخص؟ قلت: هذا الشخص هو نفسه المذكور في كتبكم. ثم نقلتُ له رواية أو روايتين عن صاحب الزمان (عجّل الله تعالى فرَجه الشريف).

لاحظوا أنّ هذا الاستاذ المصريّ قد نال حبّ صاحب الأمر (عجّل الله تعالى فرَجه الشريف) من خلال حبّه الإمام الخمينيّ (رحمه الله). فالاختلاف الموجود بين الوجود المقدّس المتمثّل بالإمام الراحل (رضوان الله تعالى عليه) والوجود المبارك لصاحب العصر والزمان (عجّل الله تعالى فرَجه الشريف) هو بحيث إنّ نفس الإمام الخمينيّ يقول: إنّ تراب قدمه أشرف من روحي، وإنّ روحي هي فداء لهذا التراب! وهذه لنعمة عظمى قد وهبها الله لنا نحن الشيعة على وجه الخصوص. بالطبع إنّ الكثير من أهل السنّة قد بلغوا مراتب من محبّة أهل البيت (عليهم السلام)، لكنّ هذا الفخر قد حظينا به نحن الشيعة خاصّةً وهو أنّنا نحبّ أهل البيت (عليهم السلام). لكنّ الشيطان لا يكفّ عن الكيد لنا حتّى في هذه القضيّة.

علامة المحبّة الحقيقيّة

عندما نطّلع على الروايات التي تتحدّث عن أهمّية محبّة أهل البيت (عليهم السلام) ونشعر بالحبّ تجاههم، فإنّ الشيطان يبعث في أنفسنا الغفلة والغرور حتّى نتصوّر أنّنا بلغنا مرامنا، وأنّه ما دمنا نحبّ الإمام الحسين (عليه السلام) فلنفعل ما يحلو لنا! فإنّ الحسين سيشفع لنا وتصبح أفعالنا مقبولة. وقد اهتمّ أهل البيت (صلوات الله عليهم أجمعين) أنفسهم بهذه القضيّة وحذّروا أصحابهم من الابتلاء بهذه الغفلة. إذ يروي المرحوم الشيخ الطوسيّ حديثاً عن الإمام الباقر (سلام الله عليه) يخاطب فيه جابر الجعفيّ قائلاٍ: «يا جابر! بلّغ شيعتي عنّي السلام، وأَعلِمهم أنّه لا قرابة بيننا وبين الله عزّ وجلّ، ولا يُتقرَّب إليه إلاّ بالطاعة له. يا جابر! مَن أطاع الله وأحبّنا فهو وليّنا، ومن عصى الله لم ينفعه حبّنا»[9]. وقد روي عنه (عليه السلام) أيضاً: «والله ما معنا من الله براءة، ولا بيننا وبين الله قرابة، ولا لنا على الله حجّة»[10]؛ أي: ما لنا حجّة تُكره الله على قبول قولنا؛ إذ أنّه: «فلِلّٰهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ»[11]، وليس لأيّ أحد على الله حجّة. ثمّ يقول (عليه السلام): «ولا نتقرّب إلى الله إلاّ بالطاعة فمَن كان منكم مطيعاً لله تنفعه وَلايتنا ومَن كان منكم عاصياً لله لم تنفعه ولايتنا، ويحَكم لا تغترّوا، ويحَكم لا تغترّوا»؛ أي لا تخدعوا أنفسكم، فسبيل السعادة هو العبوديّة لله، وإنّ محبّتنا إنّما تنفعكم إذا سرتم في هذا الطريق، لكنّها لا تحلّ محلّها.

كما وجاء في اُصول الكافي عن أبي جعفر الباقر (سلام الله عليه)[12] أيضاً: «أيكتفي مَن انتحل التشيّع أن يقول بحبّنا أهل البيت»؟! وهل يستقيم أمره بمجرّد ذلك؟! ثمّ يقول (عليه السلام): «فلو قال: إنّي أُحبّ رسول الله، فرسولُ الله (صلّى الله عليه وآله) خير من عليّ (عليه السلام)»؛ فلو كان الأمر بالقول والحبّ، فليقلّ إنّي اُحبّ رسول الله (صلّى الله عليه وآله) فهو أفضل من عليّ (عليه السلام). أي: لو كان مجرّد القول والحبّ نافعاً فليقل: إنّي أحبّ محمّداً (صلّى الله عليه وآله) عوضاً عن قوله: إنّي اُحبّ عليّاً (عليه السلام). فمجرّد هذه الادّعاءات لا تجدي نفعاً، إذ أنّه (يتابع عليه السلام): «ليس بين الله وبين أحد قرابة»[13]، وإنّ سبيل المدّعِي لحبّنا ليست هي سبيل المعصية. وحتّى لو ارتكب الخطيئة وزلّت قدمه فعليه أن يتوب من فوره ويهرع إلى التوسّل، ويستحي منّا بأنّه كيف يكون من شيعتنا ثمّ يأتي بهذه الفعلة، وذلك كي يتدارك أمره بسرعة.

فلابدّ أن يكون للمحبّة عمق. فإن أحببنا رسول الله وأهل بيته (صلوات الله عليهم أجمعين) فمن منطلق أنّهم محبوبون عند الله. فيتعيّن أن تكون هذه المحبّة فرعاً لمحبّة الله كي يتحقّق منها الأثر الذي نصبو إليه. ومن هنا يتحتّم أن نعيش دوماً حالة التأرجح بين الخوف والرجاء وأن لا نتصور بأنّ المحبّة في قولهم: إنّ محبّة أهل البيت (عليهم السلام) تحلّ كلّ معضلة، هي من ذلك النمط الدنيويّ! فهذا ضرب آخر من المحبّة عبّر عنه أئمّتنا (عليهم السلام) بما مضمونه أنّ: مَن أحبّنا لم يخالفنا.

بالطبع لا ينبغي أيضاً أن ندع اليأس يتسلّل إلى أنفسنا بأنّه ما دمنا من أهل المعاصي فإنّه ليس ثمّة سبيل للنجاة. فقد كان هناك ممّن أمضوا سنين طويلة من أعمارهم غارقين في المعاصي ومقترفين لأفظع الذنوب، لكنّ حبّ أهل البيت (عليهم السلام) كان مستقرّاً في أعماق قلوبهم، حتّى برز في نهاية المطاف فأصلح أمرهم في لحظة الامتحان والاختبار. والنموذج البارز لأمثال هؤلاء هو المرحوم طيّب (رحمه الله)[14].


[1]. سورة النحل، الآية 78.

[2]. سورة سبأ، الآية 13.

[3]. إقبال الأعمال، ج1، ص67.

[4]. إقبال الأعمال، ج1، ص349.

[5]. بحار الأنوار، ج67، ص23.

[6]. المؤمن، ص31.

[7]. وسائل الشيعة، ج12، ص56.

[8]. مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، ج9، ص67.

[9]. الأمالي للطوسي، ص296.

[10]. وسائل الشيعة، ج15، ص234.

[11]. سورة الأنعام، الآية 149.

[12]. هذه الروايات الثلاث مرويّة عن الإمام الباقر (عليه السلام) ممّا يشير إلى أنّ اُناساً في زمانه كانوا يتصوّرون بأنّ محبّتهم لأهل البيت (عليهم السلام) تكفيهم.

[13]. الكافي، ج2، ص74.

[14]. هو «طيّب حاج رضائي» اشتهر في طهران أيّام حكم الشاه بالبلطجة هو وأعوانه وكانت له هيبة وشوكة عظيمتان لكنّه كان محبّاً لعلماء الدين وعاشقاً للإمام الحسين (عليه السلام) وكان ينظّم أكبر موكب عزاء أيّام شهر محرّم الحرام. إبّان اندلاع الثورة الإسلاميّة في إيران طلبت منه الحكومة مساعدتها في ارتكاب مجزرة المدرسة الفيضيّة في قتل مجموعة من طلاب علوم الدين فرفض. ثمّ عمد إلى رفع صور الإمام الخمينيّ (رحمه الله) على أعلام موكبه، وحرّض على انتفاضة الجماهير في إثر اعتقال الإمام غير آبهٍ بتحذيرات جلاوزة النظام الحاكم، فما كان من الأخيرين إلاّ أن ألقوه في السجن طالبين منه بعد التعذيب الجسديّ القاسي أن يعترف زوراً بأنّه قد فعل ما فعل مقابل مبلغ من المال استلمه من آية الله الخمينيّ في مقابل إطلاق سراحه واسترداد هيبته فرفض قائلاً: «لن اتّهم ابن الإمام الحسين زوراً»، وأصرّ على موقفه متجاهلاً مكانته وهيبته حتّى اُعدِم. (المصدر: موقع حوزة نت الالكترونيّ: www.hawzah.net). 

 

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org