قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 2 تموز 2014م الموافق لليلة الخامسة من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

 

الآخرة في النظام العقائديّ والقيميّ للإسلام

27

 

إشارة

قلنا في المحاضرة الفائتة، توضيحاً لمفهوم الآخرة في المصادر الإسلاميّة، إنّ مفردة «الآخرة» قد استُخدمت في القرآن والسنّة بثلاثة معانٍ: الأوّل بمعنى العالم الذي سيُخلق بعد تلاشي الشمس والقمر والنجوم وباقي ظواهر هذا العالم والنظام المهيمن عليه، وهو عالم يتمتّع بخصوصيّات معيّنة لا ندرك حقيقتها بدقّة. وهنا يُنظر إلى الآخرة من زاوية علم الوجود. والمعنى الثاني هو النوع الثاني من حياة الإنس والجنّ كموجودات ذات حياتين: حياة قصيرة عابرة في هذا العالم تنتهي بالموت، وحياة أبديّة باقية في العالم الآخر تبدأ بالموت. وهذا المعنى هو مفهوم يرتبط بعلم الإنسان. والمعنيان المذكوران يفصحان عن حقيقة عينيّة وليس في ميسورنا، استناداً إليهما، القول بأنّ الدنيا مذمومة. أمّا المعنى الثالث للدنيا والآخرة فهو مفهوم قيميّ وأخلاقيّ يحكي عن التعلّق باللذائذ التي يتمتّع بها الناس في القسم القصير والمؤقّت من حياتهم (الدنيا)، وهو مفهوم يفسَّر في واقع الأمر بحبّ الدنيا أو التعلّق بها. وقد عبّر القرآن الكريم عن هذا المفهوم ﺑ «إرادة الدنيا» كقوله: «مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ»[1]. وإنّ ما ذكرته الروايات وتوصيات علماء الأخلاق في ذمّ الدنيا ناظر إلى هذا المفهوم؛ أي الانشداد إلى اللذّات المادّية المؤقّتة المتوفّرة للمرء في هذا القسم من حياته، وهو الانشداد الموجب للقول بالأصالة للحياة الدنيا ولذّاتها، والحال أنّ الأصالة هي من نصيب الحياة الآخرة وما الدنيا إلاّ وسيلة للوصول إليها. إذن علينا الالتفات إلى الاختلاف القائم بين هذه المعاني الثلاثة كي لا نخلط بين أحكامها.

أمّا السؤال التالي فهو: أيّ معنىً من هذه المعاني الثلاثة تريده الآيات والروايات؟ فعندما تقول الآية الشريفة مثلاً: «فَلاَ تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَوٰةُ الدُّنْيَا»[2]، فما هو المراد من الاغترار بالحياة الدنيا؟ أوَلم يقل أمير المؤمنين (عليه السلام): «إنّ الدنيا دار صِدق لمَن صدَقها»[3]؟ فإن كانت الدنيا صادقة، فكيف تغرّنا إذن؟ وللإجابة على هذا السؤال يتعيّن أوّلاً مناقشة مكانة الآخرة في النظام العقائديّ والقيميّ للإسلام. وهو بحث له صلة بالتأكيد المتكرّر لقائد الثورة الإسلاميّة على الجانب الثقافيّ وتوصياته بضرورة الحيلولة دون اختراق ثقافتنا من قبل الأعداء. ولا بأس، من هذا المنطلق، أن نشير في بداية حديثنا إلى الثقافة.

الثقافة، معتقدات وقيم

لقد قُدّمت للثقافة معانٍ شتّى وطُرحت حول هذا الموضوع في الأوساط الأكاديميّة بحوث مستفيضة، من بينها المفهوم المقبول لدينا وهو «المعتقدات والقيم». وعلى أساس هذا التعريف تُعدّ سائر الاُمور - التي تطرح أحياناً بعنوانها ثقافة – مقدّمات أو مظاهر أو نتائج للثقافة. وعليه فمن أجل دراسة مكانة «الآخرة» في الثقافة الإسلاميّة يتحتّم علينا اكتشاف محلّها في منظومتنا العقائديّة والقيميّة.

خلافاً للنظام الثقافيّ الإسلاميّ فنحن لا نجد بين المعتقدات والقيم في بعض الثقافات من علاقة، لا بل من الصعوبة تقديم نظام ثقافيّ منسجم لهذه الثقافات، إنّما هي مجموعة من الآداب والتقاليد والمعتقدات وحتّى الخرافات – كاللغة، واللهجة، ومختلف الآداب والتقاليد المعمول بها في مراسم العزاء والفرح، والرقصات المحلّية، وأشياء من هذا القبيل - يجمعونها سويّة ويطلقون على هذه الخلطة اسم «ثقافة». لكنّهم لا يحاولون خلق أو اكتشاف العلاقة بين العناصر المختلفة للمعتقدات والقيم، بل ويصرّح بعضهم بعدم وجود مثل هذه العلاقة أساساً. وتُعدّ مسألة العلاقة بين الحقائق والقيم من المباحث المرتبطة بفلسفة القيم والأخلاق وقد طُرحت حولها بحوث واسعة وصُنّفت فيها مؤخّراً مصنّفات قيّمة. ونشير هنا بشكل مجمل إلى خلاصة هذه المباحث بالمقدار الذي يرتبط بموضوعنا.

الآخرة في النظام العقائديّ والقيميّ للإسلام

إنّ عقائدنا تنحصر في اُصول الدين والمذهب. فالمؤمن بهذه الاُصول الخمسة يكون مؤمناً وشيعيّاً، أمّا إذا لم يعتقد المرء بواحد من اُصول الدين الثلاثة، فقد أنكر ضرورة من ضروريّات الدين ولهذا يُعَدّ خارجاً منه، كما أنّ غير المعتقد بواحد من أصلَي المذهب يُعدّ خارجاً من التشيّع. وبناءً عليه فإنّ مكانة الآخرة في نظامنا العقائديّ هو الإيمان بأنّ الإنسان سيُبعث بعد الموت وسيرى عاقبة عمله.

لكن هل لهذه العقيدة صلة بنظامنا القيميّ؟ والجواب على هذا السؤال: نعم؛ ذلك أنّ الاعتقاد بالإله الواحد من جهة، وباليوم الآخر من جهة ثانية له دور مهمّ جدّاً وجوهريّ في نظامنا القيميّ. فكلّنا يعلم أنّ سلوك غير المعتقد بيوم القيامة يختلف عن سلوك المعتقد به. كيف؟ لأنّ الشخص المعتقد باليوم الآخر يعلم أنّه مسؤول عن أعماله وعليه أن يهيّئ جواباً لكلّ تصرّف يقوم به. ومن هنا فإنّه يملك الدافع للقيام بالصالحات وترك السيّئات. أمّا غير المؤمن بالآخرة فهو – حتّى وإن آمن بالله – سيتصوّر أنّه ما من أحد سيحاسبه على أعماله وأنّه لو كان ثمّة ثواب وعقاب فسيكونان في هذه الدنيا.

ومن هنا فإنّ الاعتقاد بالآخرة له أعظم الأثر على سلوكيّات الإنسان ونظامه القيميّ. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه القضيّة فقال: «يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُم بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُواْ يَوْمَ الْحِسَابِ»[4]؛ فالذين ينحرفون عن جادّة الصواب ويُسيئون التصرّف ويقترفون المعاصي سيعذَّبون يوم القيامة عذاباً شديداً لأنّهم نسوا أنّهم سيحاسبون، وكلّما سنحت لهم الفرصة وبغضّ النظر عن أنّهم مجازون بفعل ذلك أم لا، فإنّهم لا يتورّعون عن إطلاق العنان لشهواتهم ولا يكبحون جماح غضبهم ويمارسون كلّ موبقة. ومن هنا فإنّ معتقداتنا، لاسيّما الإيمان باليوم الآخر بالمعنى المشار إليه في المحاضرات السابقة، لها فائق الأثر على نظامنا القيميّ والسلوكيّ. فإن اعتقد المرء بأنّ الإنسان سيُمضي قسماً من حياته في هذا العالم وقسماً آخر في عالم ثانٍ، وكما أنّه يمارس في هذه الدنيا بعض التصرّفات ثمّ يثاب عليها فإنّ بإمكانه ممارسة سلوكيّات معيّنة ليثاب ويؤجَر عليها في العالم الآخر، فهذا هو الاعتقاد بالمعاد. فالاعتقاد بالمعاد يعني أنّنا سنرى في الآخرة عاقبة كلّ تصرّف نقوم به في الدنيا، وهو عالم مُعدّ لتلقّي نتائج أعمالنا الدنيويّة فقط والعمل فيه غير متاح.

تأسيساً على ما ذُكر فلابدّ في مقام تقييم الأعمال أن نضع في نظر الاعتبار ما سيتركه كلّ عمل من أثر على حياتنا الأبديّة فلا نكتفينّ بما نجنيه منه من مصالح ولذائذ دنيويّة. فعلى العكس من بعض المدارس الأخلاقيّة التي ترى أنّ مناط القيمة هي اللذّة - وهو ما يُعدّ في الواقع إنكاراً للنظام القيميّ والأخلاقيّ، لأنّه سيؤدّي إلى أنّ كلّ امرئ سيتصرّف على مزاجه – فإنّ النظام الأخلاقيّ الإسلاميّ مبنيّ على المنظومة العقائديّة؛ فمضافاً إلى الآثار الدنيويّة للعمل فإنّ آثاره على حياة الإنسان الأبديّة توضَع بعين الاعتبار في مقام عمليّة تحديد القيمة له. وبعيداً عن هذا الملاك ستكون أحكامنا القيميّة خاطئة وفاقدة للرصيد العقلانيّ. ولذا فإنّ تصنيف السلوكيّات إلى حسنة وقبيحة في حيّز الدين يقوم على أساس هذه المعادلات، خلافاً للكثير من أنظمة العالم القيميّة حيث يَعدّ أفضلُها معيار الحسن والقبح ثناءَ العقلاء وذمّهم؛ فإن امتدح العقلاء تصرّفاً أصبح في رأيهم حسناً، وإذا ذمّوه صار قبيحاً، وليس لارتباط السلوك بالآخرة موطئ قدم في هذا النظام. لكن مَن هم العقلاء؟ وما هو معيار القيمة في حكمهم؟ وإلى ماذا يستندون في أحكامهم؟ و...الخ، فهذا غير معلوم. فكلّ ما عدّه الناس حسناً فهو حسن. ومن الواضح أنّ نظاماً كهذا هو نظام ضعيف ويفتقر إلى الأساس العقلانيّ المتين؛ ذلك أنّه في مقام وزن وتقييم تصرّفٍ ما يتعيّن وضع جميع آثاره إلى أبد الآبدين في الحسبان، ولـمّا كنّا غير قادرين على إجراء مثل هذه الحسابات، فنحن إذن بحاجة إلى الدين.

تأثير الإيمان بالمعاد على السلوك

اعتماداً على ما تقدّم فلابدّ – من ناحية - أن نعتقد بأنّ عالماً آخر سيأتي بعد هذا العالم. كما ينبغي لنا – من ناحية اُخرى – أن ننظر في أثر هذه العقيدة على سلوكنا ونظامنا القيميّ. وهذه العقيدة هي من أشدّ عقائدنا أصالةً وقد أكّد عليها القرآن الكريم في آيات عديدة؛ كقوله تعالى: «وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ ءَامَنَّا بِاللهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ * يُخَادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَمَا يَخْدَعُونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ»[5].

كلّنا يعلم أنّ الإيمان باليوم الآخر هو من أهمّ عقائدنا بحيث إنّ المنكر له كافر، لكن إلى أيّ مدىً يُعدّ هذا الاعتقاد مؤثّراً في أعمالنا؟ يورد القرآن الكريم في هذا الباب تعبيراً ملفتاً فيقول: «لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُواْ اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ»[6]؛ أي: إنّ المتأسّين برسول الله (صلّى الله عليه وآله) هم الذين يرجون أن يمثلوا بين يدي الله يوم القيامة. وهذا الرجاء هو إحساس حيّ وهو يختلف عن الاعتقاد بيوم القيامة. فالإنسان يعلم اُموراً كثيرة لكنّه غافل عن معظمها، حتّى يُلفَت انتباهه إليها. وهذا العلم هو غير الرجاء الذي يحيي الاعتقاد في ذهن المرء وقلبه ويجعله منشأً للأثر. فالذين يرجون المثول بين يدي الله واستلام الأجر على أعمالهم في اليوم الآخر يتعيّن عليهم أن يتأسّوا بالنبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله). ولعلّ المراد من «الظنّ» في قوله تعالى: «الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلاقُواْ رَبِّهِمْ»[7] هو هذه الحالة، وليس الظنّ في مقابل الشك ّواليقين.

إذن فإن كان اعتقادنا بيوم القيامة حيّاً ولم يقبع في أعماق قلوبنا تحت طبقات من الحُجُب فإنّ من شأنه أن يكون ذا أثر في أعمالنا. وكلّما زادت هذه العقيدة غضاضة واشتدّ حضورها في أذهاننا زاد أثرها على أنواع سلوكنا. فإنّ أقوى ضامن للعمل بأوامر الشرع ونواهيه وامتثال القوانين المعتبرة هو نفس هذا الرجاء لليوم الآخر والمحاسبة على نتيجة الأعمال والالتفات إلى هذه العقيدة، وفي المقابل فإنّ نسيان الأخيرة من شأنه أن يجرّ المرء إلى التدنّس بالمعاصي. فلعلّ جواب الكثيرين ممّن سيتورّطون بالعذاب إذا سئلوا عن هذه العقيدة هو: نحن نقرّ بيوم القيامة! لكن وكأنّهم لم يعتقدوا بذلك أبداً، والسبب هو أنّها لم تكن حاضرة في حياتهم. فالعقيدة لا تكون ذات أثر إيجابيّ في نظامنا القيميّ والسلوكيّ إلاّ إذا كانت حاضرة في عقولنا وقلوبنا حضوراً فعّالاً، ولذا فإنّ نسيانها أيضاً سيكون له أثر سلبيّ.

إذن يتعيّن علينا الاهتمام بالاعتقاد بالله والإيمان باليوم الآخر اللذين لهما أكبر الأثر في حياتنا وأن نستحضرهما دائماً في أرواحنا. وثمرة ذلك هو أنّ على الإنسان أن يسعى لفعل الصالحات. وهنا، حيث تُطرح مسألة تشخيص الحسن والقبيح، يأتي بحث النبوّة؛ وهو أنّه لابدّ من وجود أنبياء يبعثهم الله تعالى ليدلّوا الناس على الأعمال التي توجب رضا الله عزّ وجلّ.

الرؤية والدافع

إنّ من عجائب حكمة الله عزّ وجلّ هي أنّه خلق كائناً بإمكانه أن يقوم بدور الممثّل والمشاهد في آن معاً، فهو باستطاعته أن يراجع سلوكه ويقيّمه أيضاً. فمثلاً إنّ ما يجتذب الإنسان بشكل طبيعيّ إلى مائدة الطعام هو الجوع. ولذا فإنّ إشباع الجوع أو الشعور باللذّة أثناء تناول الطعام يُعدّ محفّزاً يسوق الإنسان إلى إعداد الطعام وتهيئة كلّ المقدّمات اللازمة لذلك. فلو راجعنا جميع ألوان سلوكنا لوجدنا أنّ لدينا دافعاً لكلّ واحد منها. وهذه الدوافع تتأثّر بنظامنا القيميّ. فقد يكون دافعنا لجميع هذه الحركات والسكنات هو لذائذ الدنيا أو آلامها، ونحن إنّما نقوم بالعمل فللتمتّع بلذّة أو الفرار من ألم. فنحن نتجشّم متاعب جمّة لبلوغ أمانينا وكلّما زادت معرفتنا بالدنيا طالت آمالنا وعرضت أمانينا. فنحن نسعى وراء الرزق كي نتزوّج وننجب الأطفال، ونفتّش عن عمل لترقى منزلتنا الاجتماعيّة ونحظى بالمزيد من احترام الناس، وهكذا. وبعد كلّ ما نحمله لأنفسنا من الأماني فنحن نفكّر بمستقبل أولادنا أيضاً.

كلّ هذه الطلبات والميول تترك آثارها على أعمالنا وبإمكانها أن تجرّنا إلى طلب الدنيا. لكن من الممكن أن تُنجز جميع هذه الأعمال، بما فيها لحظ العيون، بدافع الآخرة. فالنظر إلى الوالدين إحساناً لهما فيه أجر وثواب اُخرويّان، والنظر إلى وجه العالم والسادة [من أولاد رسول الله (صلّى الله عليه وآله)] عبادة. فباستطاعة الإنسان جني الثواب بمجرّد فتح عينيه والنظر إلى شخص ما. هي نفس حركات العين، ونفس حركات اليد والرجل، ونفس الجلوس والقيام والأكل والنوم، لكنّ قيمتها تختلف باختلاف الدافع والمحفّز. والدافع بدوره ينبع من الرؤية؛ فلو انطلق الإنسان من رؤية أنّ كلّ شيء وكلّ لذّة دنيويّة مادّية وكلّ سلوك ستكون له قيمة، وصدّق بأنّه ثمّة فوق اللذائذ المادّية اُمور ولابدّ أن يقيم لها حساباً، فستكتسب أعماله قيمة اُخرى.

إنّ لهاتين الرؤيتين قطبين: الأوّل هو أن لا يفكّر المرء بالآخرة طرفة عين منذ أوّل لحظة حتّى آخر لحظة من حياته، والثاني - في المقابل – يتمثّل باُولئك الذين يعدّون حياتهم بأسرها سفَراً ومقدّمة لحياة اُخرى سيرون فيها حصيلة ما قدّموه من أعمال وسلوك في هذا العالم، وإنّ كلّ اهتمامهم منصبّ على ذلك العالم. فشخص كهذا يسعى وراء كسب الثواب والنجاة من العذاب الاُخرويّ حتّى في نظرته، فهو إن احتمل المعصية حتّى من نظرة واحدة غضّها: «يَغُضُّواْ مِنْ أَبْصَارِهِمْ»[8]. فالنظرة نفس النظرة، والمشي ذات المشي، والأكل عين الأكل، أمّا اختلافها في القيمة فهو من السماء إلى الأرض. وبين هذين القطبين مراتب لا تحصى ولا تُعدّ: «وَءَاخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحاً وَءَاخَرَ سَيِّئاً»[9]، فثمّة اُناس يميلون تارة إلى هذا القطب وتارة اُخرى إلى القطب الآخر.

وإنّه بطرح قضيّة نمط الرؤية إنّما يتمّ الحديث عن عمليّة تقييم الأعمال. فالذين نسوا الآخرة تماماً أو أنكروها فإنّ كلّ اهتمامهم ينصبّ على ما يجنونه في هذه الدنيا. وحتّى في التحرّكات الاجتماعيّة الضخمة كالثورة فإنّهم يسعون لنيل الراحة والطمأنينة الدنيويّتين. وفي رأي هؤلاء فإنّ أرقى قيمة يمكن طرحها للإنسان هي العدالة الاجتماعيّة. لكن هل إنّ هذه العدالة هي منتهى المطاف أم هي وسيلة لبلوغ قيم أخلاقيّة أسمى؟ يقول تعالى: «بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الآخِرَةِ»[10]؛ فمنتهى علم أمثال هؤلاء هو هذه الدنيا فهم يصلون بالموت إلى طريق مسدود.

فكلّ ما قيل في إطار طلب الدنيا وطلب الآخرة إنما يُختزل في ماهيّة نيّاتنا ودوافعنا، وبالتالي رؤيتنا إلى الحياة الدنيا والآخرة وتقييمنا لهما. بالطبع لا يمكن طرح هذه المباحث إلاّ عندما يكون ثمّة اعتقاد بالمعاد بالمفهوم الذي سبق ذكره، وإلاّ فليس من جدوىً منها؛ فلا معنى لتأثير الأعمال الدنيويّة في الآخرة بالنسبة لمن ينكر اليوم الآخر. إذن فلابدّ من تثبيت هذه العقيدة في نفس الإنسان أوّلاً، ليكون لها أثر على ألوان سلوكه فيصبح طالب آخرة: «مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ»، «وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً»[11].

سبب ذمّ طلب الدنيا

لكن لماذا الذمّ لطلب الدنيا؟ لأنّ طالب الدنيا سوف لا يجني من سعادة الآخرة شيئاً. فهو لم يعمل لآخرته كي يرى ثمرته في الآخرة. فلقد أنجز ما أنجزه في سبيل الدنيا وحصل على نتائجه الدنيويّة فيها. وسيقال لأمثال هؤلاء في يوم القيامة: «أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا»[12]؛ فلقد أتيتم بما أتيتم به في حياتكم الدنيا من أجل متعتكم وجنيتم ثمار أعمالكم فيها، إذن فليس لكم في الآخرة شيء. بالطبع إنّ الله يقول في آية اُخرى: الذين يعملون لدنياهم لا ينالون كلّ ما يصبُون إليه: «مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ»[13]. فطالبو الدنيا يودّون لو امتلكوا العالم بأسره وحازوا على أفخم القصور، وأفضل المناصب، وأمتع المسرّات، و...الخ، لكن هل سينالون كلّ ما يطلبون؟ كلا، لأنّه لو كان الأمر كذلك لما اندلعت في العالم كلّ هذه الحروب والصراعات. فإنّ تزاحم إرادات طالبي الدنيا هو وراء كلّ هذه الحروب. أمّا طالبو الآخرة فإنّ الله يعطيهم فوق ما يفكّرون به: «لَهُم مَّا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ»[14]، ذلك أنّ أغلب ما يهبه الله من الثواب غير قابل للتصوّر بالنسبة للبشر، وهم – لذلك – لا يطلبونه. غير أنّ الله يعرّفنا في آية اُخرى بطائفة اُخرى من طالبي الآخرة على هذا النحو: «وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَـٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً» فهو تعالى يبيّن ثواب هؤلاء عبر تعبير يفوق تعبير الأجر بقوله: «فَأُوْلَـٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً»، وهو تعبير غاية في علوّ المضمون ونحن عاجزون عن استيعابه. فالله عزّت أسماؤه يتشكّر من عبده على عمل هو تعالى الذي وفّقه إليه وغرس في نفسه الدافع لفعله، وبيّن له السبيل إليه، ووفّر له أسبابه ليتمكّن العبد في النهاية من إنجازه: «فَأُوْلَـٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً»؛ فلا تسألنّ عن الثواب الذي سيعطيه الباري عزّ وجلّ لهؤلاء!

لقد ذكرنا أنّه يمكن تصوّر قطبين لطلب الدنيا وطلب الآخرة في النظام القيميّ الإسلاميّ: أوّلهما قطب نسي فيه ابن آدم الآخرة وأنكرها بالكامل، وقطب صبّ فيه كلّ اهتمامه على الآخرة. والمصداق البيّن لأصحاب القطب الثاني ممّن يندر أن يُعثر على أمثالهم بين عامّة الناس هم الأنبياء والأولياء (صلوات الله عليهم أجمعين). ولعلّ بعض المتربّين في مدرستهم يتّصفون بهذه الصفات أيضاً. لكنّ السواد الأعظم من الناس يقعون بين هذين القطبين فتارة يذكرون الآخرة وتارة ينسونها. وهنا ينبغي لنا العمل على إحياء الاعتقاد بالآخرة في قلوبنا واستحضاره باستمرار كي يلقي بأثره على أعمالنا. فقد جاء في الخبر: «أكيَس الناس مَن كان أشدّ ذكراً للموت»[15]. إذ كلّما كان المرء ذاكراً للموت والحساب والقيامة فإنّه سيحسّن أعماله ويراقب حياته. وهذه هي الكياسة والفطنة. أمّا إذا نسي الموت فسيُبتلى بالجهل والغفلة. وشخص كهذا فاقد للكياسة والفطنة وسرعان ما ينخدع. بناءً عليه فعلينا أن ننظر كيف ننمّي ذكر الموت والمعاد في أذهاننا كي تصلح ألوان سلوكنا نتيجة ذلك.

أبعاد طلب الآخرة

الموضوع الآخر الذي يُطرح تعقيباً على هذه المسألة هو: هل إنّ الاهتمام بالآخرة يقتصر على حيّز المسائل الفرديّة أم إنّه مطروح أيضاً في إطار الأبعاد الاجتماعيّة؟ وهل يتحتّم علينا، مضافاً إلى ضرورة تفكيرنا باليوم الآخر، أن نذكّر الآخرين به؟ هل هناك مسؤوليّة قانونيّة ورسميّة ملقاة على أشخاص معيّنين تلزمهم بحثّ الناس على التفكير بالآخرة؟ وهل على الجهاز الحكوميّ من مسؤوليّة في هذا المجال، أم إنّ هذه المهمّة ملقاة على مَن يصفهم البعض ﺑ «الواهمين والبطّالين»؟! وهل إنّ مهمّة التذكير بالآخرة وتنظيم العلاقات بين أفراد المجتمع بما ينفع آخرتهم هي - في النظام الإسلاميّ - من واجبات الحكومة والمسؤولين والمتعهّدين الاجتماعيّين؟ بالطبع إنّ بيان مهامّ الحكومة ومسؤوليّاتها في المجتمع الإسلاميّ وعلاقة الحكومة بالشعب يتطلّب بحثاً مسهباً يتعيّن التعرّض له في حقل فلسفة السياسة.

لكنّ ما يرتبط ببحثنا هو: هل تمّ، في النظام القيميّ للإسلام الذي يهتمّ بإحياء ذكر الآخرة، تعيين حدٍّ واجبٍ لهذا الأمر بحيث إنّ عدمه يعرّض أفراد المجتمع للخسران؟ أم إنّ ذكر الموت هو من الفضائل التي كلّما نمت زاد حظّ الإنسان من ثوابها؟ وهل بإمكاننا القول إنّ الغفلة عن مرتبة من مراتب ذكر الآخرة تعادل إنكار الدين وأنّ نسيانها يلحق المرء تدريجيّاً بملّة الكفر؟

إنّ الأثر الذي يلقيه الاعتقاد بالآخرة (وغيره من المعتقدات) على تصرّفات الإنسان يبعث على الدهشة. وإنّ في ميسورنا الوقوف على أمثلة من هذا الأمر بالتمعّن في آيات الذكر الحكيم. فالقرآن على سبيل المثال يقول: بعض الناس يستاءون وتشمئزّ قلوبهم إذا ذكر الله وحده: «وَإِذَا ذُكِرَ اللهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ»[16]. فالذين ينزعجون من البحث في موضوع التوحيد ومعرفة الله وعبادته هم الذين لا يؤمنون بالآخرة، وليس أنّهم لا يُقبِلون على هذه المواضيع فحسب، بل ويشمئزّون منها أيضاً! ألَم تسمعوا البعض يقول: «الاُمّيون والبطّالون فقط هم الذين يتحدّثون عن هذه الامور! انظروا إلى أين وصلت أميركا، ونحن لا نزال سعداء بالثورة»!

إنّ سبب هذا الاشمئزاز من البحث فيما يتّصل بالله ومعرفته والتوحيد هو انعدام الإيمان بالآخرة. بمعنى أنّ إنكار الآخرة أو ضعف الإيمان بها يقود إلى ضعف الإيمان بالتوحيد أيضاً. فعدم الاهتمام بالآخرة يسلب من الإنسان توحيده، ولا يفسد عليه حياته الدنيا فحسب، بل ويسلب منه سعادته في الآخرة، ويبتليه بعذاب شديد، ويورّطه بخزي الدنيا أيضاً.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين



 


[1]. سورة آل عمران، الآية 152.

[2]. سورة لقمان، الآية 33.

[3]. نهج البلاغة، الحكمة 131.

[4]. سورة ص، الآية 26.

[5]. سورة البقرة، الآيتان 8 و9.

[6]. سورة الأحزاب، الآية 21.

[7]. سورة البقرة، الآية 46.

[8]. سورة النور، الآية 30.

[9]. سورة التوبة، الآية 102.

[10]. سورة النمل، الآية 66.

[11]. سورة الإسراء، الآية 19.

[12]. سورة الأحقاف، الآية 20.

[13]. سورة الإسراء، الآية 18.

[14]. سورة ق، الآية 35.

[15]. من لا يحضره الفقيه، ج4، ص395.

[16]. سورة الزمر، الآية 45.

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org