قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

(9)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 29 كانون الثاني 2014م الموافق للسابع والعشرين من ربيع الأول 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

مناجاة الله إلى جانب التكاليف الاخرى

 

إشارة

وصلنا في محاضرتنا الماضية إلى أنّه من جملة علامات أحبّاء الله وأوليائه أنّهم ينتظرون حلول الليل ليهرعوا إلى الخلوة بربّهم ومناجاته. وقد ذكرنا في علّة اختيار الليل لمناجاة الله سبحانه أنّه إلى جانب أنّ الليل هو وقت السكينة وهدوء الأصوات وذهاب الجميع إلى مضاجعهم، فإنّ الظلمة تساعد الإنسان على التركيز أكثر. وقد اُشير في آيات الذكر الحكيم إلى هذه القضيّة في قوله تعالى: إنّ سبب إصراننا على أن تقوم ثلثَي الليل أو نصفه هو أنّ عبادة الليل هي أشدّ أثراً: «إِنَّ نَاشِئَةَ الَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً»[1]. كما ويشير تعالى إلى نقطة اُخرى في قوله: «إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحاً طَوِيلاً»[2]. فليس لديك في النهار متّسع من الوقت للعبادة المطوّلة، لأنّك مكلَّف فيه بتكاليف جمّة ومرتبط بأعمال ومشاغل كثيرة تمنعك من الخلوة بربّك. وقد أكثرَت الروايات من توصياتها بإحياء الأسحار بالعبادة وطول السجود. ومنها رواية نوف البكاليّ التي يصف فيها أمير المؤمنين (عليه السلام) حال المتّقين في الليل والنهار، حيث يقول: «أمّا الليل فصافّون أقدامهم، تالون لأجزاء القرآن يرتّلونه ترتيلاً... وتارةً يفترشون جباههم وأكفّهم وركبهم وأطراف أقدامهم تجري دموعهم على خدودهم»[3]. وعلى أيّة حال فإنّه لا نظير للتأكيدات الواردة على قيام الليل والسحر، ويندر أن نجد في المصادر الدينيّة تأكيداً على شيء بهذا الحجم.

وهنا يتبادر إلى الذهن السؤال التالي: لو أنّنا رغبنا بالعمل بتعاليم القرآن الكريم، من قيام ثلثي الليل للعبادة، وعدم النوم بين الطلوعين، وتأدية التعقيبات بعد الصلوات، فكيف سننجز باقي أعمالنا يا ترى؟ لاسيّما وأنّ هناك مستحبّات واردة للنهار أيضاً، بل وهناك دعاء لكلّ ساعة من ساعات النهار أيضاً، ولا نكاد ننتهي من هذه الأدعية حتّى يحين وقت نوافل وفريضتي الظهر والعصر وما ورد بعدهما من أدعية. فالذي يسهر ثلثي الليل لا تبقى لديه رغبة ونشاط للعمل؛ فإذا كان طالباً جامعيّاً، فسيغفو في الصفّ، وإذا كان عاملاً أو مزارعاً، فإنّه لا يجد في نفسه القدرة على العمل. كما وأنّ الروايات قد وصفت هؤلاء الأشخاص بأنّ وجوههم صفراء، وألوانهم شاحبة، وشفاههم ذابلة[4]. ففي هذه الحالة سوف لا يُنجَز عمل قطّ. بل إنّ شخصاً كهذا سوف لا يكون لديه النشاط حتّى لعبادات النهار. فإذا كان هذا هو النموذج المثاليّ للمؤمن، فكيف سنقوم بمهامّنا الاجتماعيّة؟ وأنّى لمجتمع مكوّن من هذا النمط من الأشخاص أن يحظى بالتطوّر العلميّ ويمارس النشاطات الاجتماعيّة والسياسيّة ؟ فالقضيّة ليست منحصرة بقيام السحر، إذ أنّ هناك الكثير من التكاليف الاُخرى ممّا لو عمل المرء بها فإنّه لا تعود ثمّة فرصة ولا قدرة على إنجاز باقي الأعمال. فإذا كان مقتضى العمل بهذه التعاليم هو الخروج بمجتمع ضعيف عديم النشاط والحيويّة، وهو ممّا لا يرضى به الإسلام، إذن فلماذا كلّ هذا الإصرار والتوصية على العمل بهذه الاُمور؟

الإفادة من المصادر الدينيّة تحتاج لمتخصّص

من أجل تهيئة الأذهان لتقبّل الإجابة نشبّه المصادر الدينيّة بالكتب الطبّية. إذ يكرَّس جانب من هذه الكتب عادةً للأعشاب، والعقاقير، والأملاح، والأغذية، وما إلى ذلك. ومن الواضح أنّ كتباً من هذا القبيل تبيّن خواصّ الأعشاب والعقاقير، وانّ العمل بموجبها لا يعني بالضرورة التوصية بتناول جميع ما ذُكر فيها من أعشاب وعقاقير. كما أنّ الكتب الأكثر تخصّصاً تتناول أضرار ومحاسن هذه الموادّ. ويتعيّن - من أجل العمل بهذه الكتب - مراجعة الطبيب والعمل بوصفته التي يحرّرها بعد الفحص وإجراء التحاليل المختبريّة. وكلّما كان الطبيب أشدّ حذقاً وتجربة واطّلاعاً على أنواع الأدوية والأغذية، كانت وصفته أفضل. وهذه المسألة تصدق أيضاً على تعليمات المصادر الدينيّة. فقد يتصوّر بعض عوامّ الناس، استناداً إلى الروايات التي تتحدّث عن ثواب البكاء على أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) أنّ بإمكانهم ارتكاب ما يحلو لهم من الذنوب طيلة العام، فإذا حلّ يوم عاشوراء ذرفوا بعض الدموع فيُغفر لهم! غير ملتفتين إلى أنّ الروايات المذكورة هي لبيان أنّ ذرف الدموع في عزاء سيّد الشهداء (عليه السلام) له مثل هذه القدرة، لكنّ أثراً كهذا يتطلّب تحقّق بعض الشروط. لذلك يتعيّن الالتفات إلى أنّ استحسان الروايات (أو ذمّها) لشيءٍ ما لا يعني ترخيصاً مطلقاً للعمل به. فكما أنّ علينا - في الأحكام الفقهيّة – الرجوع إلى الفقيه المجتهد الذي يضع جميع الأدلّة الفقهيّة إلى جانب بعضها، وبعد ملاحظة المطلق والمقيّد، والناسخ والمنسوخ، والعامّ والخاصّ، يخرج بفتوى ليدلّنا على تكليفنا الشرعيّ، فإنّه يتعيّن - في المسائل الأخلاقيّة أيضاً - الرجوع إلى المتخصّص فيها، لاسيّما وأنّ معظم هذه المسائل تُعدّ من الواجبات المهمّة للغاية وانّ المتخصّص المتبحّر في هذه الاُمور سيأخذ جميع الأدلّة بنظر الاعتبار، فيرخّص الشخص المقابل للقيام بعمل معيّن اعتماداً على حاجته وقابليّاته.

يروى أنّ أحد أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) كان له صديق نصرانيّ وقد سعى – شيئاً فشيئاً - في هدايته حتّى دخل الإسلام. ذات ليلة طرق هذا المؤمن باب صديقه الحديث العهد بالإسلام سحراً ليصطحبه إلى المسجد لصلاة الليل. وبعد الانتهاء منها قال له: لقد اقترب الصبح، فلنصبر حتّى نصلّي الصبح. ثمّ حبسه بعد الصلاة حتّى طلوع الشمس لأداء التعقيبات. وفي نهاية المطاف عاد الرجلان إلى دارهما. لكنّ هذا المؤمن عاد سحراً إلى منزل رفيقه ليدعوه مرّة اُخرى إلى صلاة الليل. فقال له المسلم الجديد: يا فلان! إنّ دينكم حَسَن، لكنّه ينفع العاطلين، فإنّ لي عيالاً وأنا لا اُطيق هذه الحياة، لقد كان ديني السابق أفضل لي. فأشار الإمام الصادق (عليه السلام) بعد ضربه هذا المثل إلى أنّ هذا المؤمن قد أخرج رفيقه من الإسلام من حيث أدخله فيه[5]. ومن هنا فإنّه لا يجوز وصف منهاج عمليّ لامرئ من دون معرفة قابليّته، وظروف حياته، ومقدار معرفته، وسنّه، وقدرته البدنيّة، وواجباته الاُسريّة والاجتماعيّة المختلفة.

تقسيم العمل

وبناءً على ما ذكرنا فإنّ الفقيه المحيط بهذه المسائل يوصي بضربٍ من تقسيم العمل. وبعبارة اُخرى فإنّ العمل بتعاليم الدين لا يعني أداء جميع الأعمال في كلّ حين، بل يتعيّن تقسيم العمل. إذ تدلّ بعض الروايات على ضرورة أن يكون للمرء في يومه وليلته عدّة أنواع من العمل. فقد أكّدت بعض الأحاديث على تقسيم ساعات الليل والنهار إلى ثلاثة أقسام: قسم للنوم وتلبية حاجات البدن، وآخر لكسب الرزق، وآخر للعبادة. وقد أضافت رواية اُخرى قسماً لمعاشرة الإخوان والتمتّع بالحلال جاعلةً من الأخير ضماناً لأداء باقي التكاليف بشكل صحيح[6]. ولا نفهم ممّا ذكر أنّ هذه الروايات تقسّم ساعات اليوم والليلة إلى ثلاثة أو أربعة أقسام متساوية، بل إنّها – إجمالاً - في مقام النهي عن رتابة الحياة.

أقسام التكاليف

ما نستشفّه من مصادر الدين – سواء الآيات أو الروايات أو سيرة أهل البيت (عليهم السلام) – هو أنّ أعمالنا تنقسم إلى مجموعتين عامّتين: فرديّة واجتماعيّة. إذ انّ لدينا واجبات اجتماعيّة تجاه الأب والاُمّ، والزوج، والولد، والجار، والاُستاذ، والتلميذ، وصولاً إلى إمام الاُمّة ومسؤولي البلاد، وحتّى الدول الصديقة والعدوّة. كما وأنّه ثمّة مجموعة اُخرى من التكاليف ترتبط بالشخص نفسه ويتعيّن عليه إنجازها، سواء أوُجد شخص آخر أم لم يوجد. كما أنّ المسائل الفرديّة تنقسم هي الاُخرى إلى ثلاثة أقسام: الحاجات الضروريّة للبدن، والحاجات النفسيّة، والعلاقة مع الله. فالحاجات الضروريّة للبدن[7] هي ممّا يحتاجه جميع الناس وليس من مفرّ عنها؛ فجميع البشر هم بحاجة إلى الطعام واللباس والسكن. ولا يدور الكلام في مثل هذه الحاجات حول ما إذا كانت تلبيتها - شرعاً - واجبة أو محرّمة أو مستحبّة في حدّ ذاتها، إذ يتعيّن على كلّ إنسان تأمينها من أجل البقاء. بالطبع إذا نوى المؤمن القيام بهذه الأعمال طاعةً ومرضاةً لله، فستُحسب عبادة أيضاً، لكنّها ليست من التكاليف الواجبة، وإنّها لَمِن مهارة المؤمن أن يستطيع إنجاز جميع هذه الأعمال – حتّى أشدّها حيوانيّة – بقصد طاعة ربّه وتحويلها إلى عبادة عظيمة (واجبة أو مستحبّة).

أمّا الحاجات النفسيّة فإنّها لا ترتبط بالجسم، لكنّ إنسانيّة الإنسان وروحه هما بحاجة لها. فكلّ امرئ يحتاج لأن يكون عزيزاً وذا كرامة. بالطبع من الممكن أن يبقى الإنسان على قيد الحياة بالتسوُّل، لكن ليس هذا شأن الإنسان المحترم.

وأخيراً فإنّ المجموعة الثالثة من الحاجات هي ما يتّصل بالعلاقة مع الله وعبادته، وهي ما يمكن تصنيفه – بشكل من الأشكال – ضمن حاجات الإنسان النفسيّة أيضاً.

كما وتنقسم المسائل الاجتماعيّة أيضاً إلى قسمين أساسيّين: مادّي، ومعنويّ. وعلاوة على ذلك كلّه فإنّنا معاشر البشر بحاجة إلى شيء آخر ألا وهو طلب العلم. ومن الواضح أنّ طلب العلم هو أمر واجب لكلّ من القضايا الفرديّة والاجتماعيّة. وليكن في علمنا – بالطبع – أنّ بإمكاننا إنجاز جميع هذه الأعمال بنيّة التقرّب إلى الله وطاعته، فتصير كلّها عبادة.

ومن المطالبات الاُخرى أيضاً هو ما يتّصل بالدفاع والأمن. فإذا تآمر العدوّ – الداخليّ أو الخارجيّ – على الإخلال باستقرار المجتمع، فلابدّ من وقوف جهاز الأمن والقوّة الدفاعيّة بوجهه. وليس بوسع شخص واحد سدّ هذه الحاجة، بل إنّها تتطلّب جهازاً منظّماً وضخماً.

فكلّ ما ذكر يمثّل ما نحن بحاجة إليه في هذه الحياة الدنيا، وقد طالَبَنا الإسلام بأن نكون اُنموذجاً وقدوة لغيرنا في جميع ذلك. فيتعيّن ممارسة كلّ هذه النشاطات، لكن يتحتّم أن تتّخذ جميعها وجهة إلهيّة.

الحاجة إلى المناجاة مع الله

يتخيّل البعض أنّ المراد من العبادة، التي يوصَىٰ بممارستها على مدى ثلثي الليل أو نصفه، هو كلّ ما يقوم به المرء في سبيل الله، مستندين في ادّعائهم هذا إلى الحديث القائل: «العبادة عشرة أجزاء، تسعة أجزاء في طلب الحلال»[8]. لكنّ القضيّة ليست بهذه الصورة؛ إذ أنّ الروايات التي تدعو الإنسان إلى تخصيص ساعات من يومه لعبادة الله والمناجاة معه لا تقصد شيئاً آخر.

إنّ من أهمّ الأعمال عند العقلاء هي قضيّة إدارة المجتمع، إذ أنّها تطغى على جميع الشؤون الاُخرى. وهذه الأهمّية هي على جانب من الكِبَر والضخامة حتّى أن بعض الأخبار قد عدّت فائدة تنفيذ حدّ واحد من حدود الله أكثر من فائدة المطر لأربعين يوماً متوالية. فعندما أرسل أمير المؤمنين (عليه السلام) مالك الأشتر إلى مصر بعد أن عيّنه والياً عليها كتب له عهداً شرح فيه بالتفصيل جميع أركان الحكومة وكيفيّة التعامل معها وواجب كلّ منها. لكنّه (عليه السلام) طالبه ضمن هذه الأوامر أن يخصّص أفضل أوقات يومه لعبادة الله عزّ وجلّ. والملفت أنّه (عليه السلام) يقول في هذا العهد: «واجعل لنفسك فيما بينك وبين الله أفضل تلك المواقيت وأجزَل تلك الأقسام، وإنْ كانت كلّها [الأعمال] لله إذا صلحَت فيها النيّة وسلِمت منها الرعيّة... فأَعطِ الله من بدنك في ليلك ونهارك، ووفّ ما تقرّبتَ به إلى الله من ذلك كاملاً غير مثلوم ولا منقوص»[9]؛ أي: على الرغم من أنّ كلّ عمل تقوم به لله ويأمَن الناس ضرَرَه فهو عبادة، لكن عليك أن تخصّص أفضل أوقات يومك وليلتك لعبادة ربّك والمناجاة معه! ثمّ يوصيه بأن لا تثلم هذه العبادة أو تنقصها! فإنّ عبادتك ربَّك في أفضل ساعات ليلك ونهارك عبادة كاملة غير منقوصة هي التي ستعينك على القيام بسائر المهمّات.

وطبقاً لتصنيف آخر عامّ فإنّ كلّ واحد من الاُمور المذكورة أعلاه تنقسم إلى واجب ومستحبّ[10]، حيث ينبغي – في حالة التزاحم بينها – التخلّي عن المستحبّ لصالح الواجب. وهذا أمر واضح. لكنّ المشكلة هي عندما يحصل التزاحم بين الواجب المرتبط بالشخص، مع الواجب المتعلّق بالاُسرة أو المجتمع. فالحفاظ عل السلامة – على سبيل المثال – واجب وعلى المرء أن يهتمّ بسلامة طعامه وتعقيمه من المكروبات. أمّا في الخطّ الأماميّ من جبهات القتال، فلا تعود هذه القضيّة محطّ بحث؛ إذ قد يضطرّ المرء هناك أحياناً إلى الاكتفاء بكسرة خبز شعير أو شقّ تمرة. لكنّ السؤال المطروح هنا هو: إذا حصل التزاحم بين سلامة المرء وواجب شرعيّ أو عباديّ كاحترام الوالدين أو الصلاة، فما الذي ينبغي صنعه؟ نفهم من ذلك أنّه حتّى فيما يخصّ الواجبات فإنّ علينا – عند التزاحم – تشخيص ما هو الأوجب.

اختلاف الظروف يمهّد لاختلاف التكليف

إنّ بعض العوامل تكون مشتركة بين جميع الناس فيكون للجميع - في ظروف معيّنة - نفس الواجبات الفرديّة والاجتماعيّة، لكنّه ثمّة عوامل تكون مثاراً لاختلاف التكليف. فعلى سبيل المثال فإنّ تكليف البنت التي بلغت تسع سنوات من عمرها يختلف عن تكليف الشباب الذين بلغوا النضج والرشد الكافيين؛ إذ لا يمكن تعليم البنت ذات السنوات التسع أحكام واجبات أو مستحبّات الصلاة - لاسيّما ما يرتبط بالنيّة - بشكل دقيق، بل قد يتعيّن أحياناً وَعْدُها بهديّة لتشجيعها على أداء الصلاة. أمّا بالنسبة للشباب فهل ستُقبل صلاتهم يا ترى إذا أتوا بها أملاً بالجائزة؟! وهذا الاختلاف في التكليف ناشئ عن اختلاف السنّ. لكنّ قد يكون الاختلاف أحياناً بسبب الجنس أيضاً؛ فهناك تغاير بين الرجل والمرأة وإنّ بعض الأحكام تخصّ أحد الجنسين دون الآخر. كما وقد ينجم اختلاف التكليف عن القابليّات والمواهب الإلهيّة، بل حتّى إنّ بعض القدرات المكتسَبة قد توجب فارقاً في التكليف أيضاً؛ فتكليف الكادّ من أجل لقمة عيشه مثلاً يختلف عن تكليف مَن يكون فقره بسبب الكسل والتقاعس أو لأسباب غير هذه. وأخيراً فإنّ بعض المسائل قد تُستحدث نتيجة بعض الظروف الاستثنائيّة كالحرب أو الزلزال أو أمثال ذلك؛ إذ من الواضح أنْ يطرأ في مثل هذه الظروف تكليف جديد على الأشخاص وهو ما يكون في الغالب بصورة واجب كفائيّ؛ فإذا توفّر مَن به الكفاية، سقط عن الآخرين، أمّا إذا لم يتوفّر فإنّ على الجميع مدّ يد العون فلا يسقط التكليف عن كاهل أيّ امرئ.

ولما كان من الضروريّ - بغية إعداد منهاج سلوكيّ للمرء - أخذ جميع العوامل المذكورة بنظر الاعتبار فإنّه لابدّ – في هذه القضية - من استشارة مَن له إحاطة علميّة من جهة، وقادر على فهم ظروف الناس من جهة اُخرى. فمن غير الممكن أن نتوقّع من المبتدئ – لاسيّما الحدَث – أن يأخذ جميع هذه الامور بنظر الاعتبار فيشخّص الواجب من الأوجب والمهمّ من الأهم. إذ يتحتّم على المتخصّصين في مجال التربية والأخلاق أن ينهضوا بهذه المهمّه ويرشدوا من سواهم.

هذه الاُمور تشير بمجموعها إلى أنّ تكليف الناس يختلف باختلاف الظروف. فقد يكون الاستيقاظ قبل صلاة الصبح بربع ساعة لأداء صلاة الليل كافياً لامرئ، في حين تكون العبادة لمدّة ثلثي الليل أو حتّى قيام الليل كلّه حَسَنة جدّاً لمن ليس في ذمّته عمل مهمّ أو تكليف واجب.

والمحصّلة هي انّ لدينا تكاليفَ وواجباتٍ مختلفة، وعلينا أن نحدّد مهامّنا ومكانتنا الاجتماعيّة، وأن نحيط علماً بما تعهّدنا به من مسؤوليّات وما ينبغي أن نتعهّد به؟ علينا أن ننظر أيّ الأعمال والمسؤوليّات مهمَلة ونحن نملك القدرة على إنجازها، ثمّ نختار من بينها ما هو أهمّ لننهض به.

وفّقنا الله وإياكم إن شاء الله 


1. سورة المزّمل، الآية 6.

2. سورة المزّمل، الآية 7.

3. كنز الفوائد، ج1، ص90.

4. قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في سيماء الشيعة: «صُفر الوجوه من السهر، عُمش العيون من البكاء، حدب الظهور من القيام، خُمص البطون من الصيام، ذبل الشفاه من الدعاء، عليهم غبَرة الخاشعين»، وسائل الشيعة، ج1، ص92.

5. وسائل الشيعة، ج16، ص164-165.

6. عن الإمام الكاظم (عليه السلام): «اجتهدوا في أن يكون زمانكم أربع ساعات: ساعة لمناجاة الله، وساعة لأمر المعاش، وساعة لمعاشرة الإخوان والثقات الذين يعرفّونكم عيوبكم ويخلصون لكم في الباطن، وساعة تخلون فيها للذّاتكم في غير محرّم، وبهذه الساعة تقدرون على الثلاث ساعات» (تحف العقول، ص409).

7. ويطلق على هذه الحاجات في علم النفس بالحاجات الفسلجيّة.

8. جامع الأخبار (للشعيري)، ص139.

9. نهج البلاغة، الكتاب 53.

10. من حيث إنّه عندما يدور الكلام حول الأعمال التي ينبغي القيام بها، فإنّه لا يكون «المكروه» و«الحرام» محطّ نقاش.

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org