قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

(49)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 24 تموز 2014م الموافق لليلة السابعة والعشرين من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

الحياة لله سبحانه وحده

تطرّقنا في المحاضرات الفائتة إلى بعض أوصاف أهل الدنيا وأهل الآخرة التي أخبر الله عزّ وجلّ بها نبيّه الكريم (صلّى الله عليه وآله) ليلة المعراج.

الحياة والموت الحقيقيّان

بهذه العبارات تابع حديث المعراج قوله في صفات أهل الآخرة: «النَّاسُ‏ عِنْدَهُمْ‏ مَوْتَىٰ وَاللَّهُ‏ عِنْدَهُمْ‏ حَيٌ‏ قَيُّومٌ كَرِيمٌ، يَدْعُونَ الْمُدْبِرِينَ كَرَماً وَيُرِيدُونَ الْمُقْبِلِينَ تَلَطُّفاً، قَدْ صَارَتِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَهُمْ وَاحِدَة»[1]، فهو يشير في هذا المقطع إلى ثلاث خصوصيّات لأهل الآخرة، سنتعرّض في هذه المحاضرة إلى أولاها.

يقول الحديث: الناس في نظر أهل الآخرة موتى وليس من حيّ عندهم سوى الله تبارك وتعالى. لكن ما المراد هنا من كون الناس موتى؟

من الواضح أنّه لا يراد بالموت هنا ذلك المعنى الذي يُوقِف قلبَ الإنسان ودماغَه عن العمل ويعطّل أعضاءه وجوارحه، إذ أنّ لجميع أهل الآخرة وأهل الدنيا في هذا العالم أعيناً وآذاناً، وهم يتحرّكون، ويتنفّسون، ..الخ. ومن هنا فإنّ «للموت» في هذه العبارة مدلولاً آخر قد يكون مجازاً أو استعارةً، أو أنه يشير إلى حقيقة هي فوق فهم العامّة.

وقد وردت في القرآن الكريم أيضاً تعابير من هذا القبيل، كقوله تعالى: «إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى»[2] يخاطب بذلك نبيّه الكريم (صلوات الله عليه وآله)؛ أي: لا تحزن، فهؤلاء سوف لا يؤمنون بك، لأنّهم كالموتى الذين يتعذّر إسماعُهم. وإطلاق مفردة «الموتى» على الذين لا يؤمنون يأتي من باب أنّهم لا يفهمون ما ينبغي لهم فهمه، ولا يفعلون ما يتعيّن عليهم فعله. ونظير هذا الإطلاق نجده أيضاً في آيات قرآنيّة أخرى، كقوله تعالى: «أَوَمَنْ كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشي‏ بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها»[3]. والآية تقول في مقام المقارنة بين فئتين من الناس: هل إنّ الذي كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يستعين بضيائه ليمشي بين الناس هو كالقابع في الظلمات لا يستطيع الخروج منها؟! فالفئة الأولى هم الذين كانوا في ضلال فأعانهم نور الهداية على تمييز الحقّ عن الباطل وتبيُّن طريق السعادة. أمّا الفئة الثانية - في المقابل – فهم الذين قد توغّلوا في الظلمات حتّى لم يعُد ثمّة أمل في خروجهم منها. فالآية – في الحقيقة – تكشف عن التقابل بين فئتين من البشر: فئة الموتى الذين اُحيُوا بنور هدى الله، وفئة الموتى الذين انغمسوا في دياجي الظلمات فلا يُرجى خلاصهم، في حين أنّ المقارنة التي يطرحها مقطع حديث المعراج محطّ البحث هي بين الناس والله جلّ وعلا: «النَّاسُ‏ عِنْدَهُمْ‏ مَوْتَىٰ وَاللَّهُ‏ عِنْدَهُمْ‏ حَيٌ‏ قَيُّومٌ كَرِيمٌ»؛ فما من أحد من البشر، عند أهل الآخرة، له حظّ من الحياة، فإنّ مثلَهم كمَثَل الموتى، وما من حيّ في نظر الأخرويّين غير الله تعالى.

والمراد من «الحيّ» في هذا المقطع هو الموجود الذي يكون منشأ الأثر على نحو الاستقلال، ولـمّا كان الأخرويّون قد بلغوا في توحيدهم الأفعاليّ درجةً لا يرون فيها غير الله تعالى مؤثّراً حقيقيّاً في الكون، فإنّ الحيّ الحقيقيّ في رأيهم هو الله فحسب، أمّا المخلوقات الأخرى التي لها تأثيرات في عالم الطبيعة بمراتب مختلفة فهي وسائل وأدوات ليس لها إلاّ تأثير مستعار، وهو من الله، وإنّه جلّ وعلا يسترجعه منها متى شاء. فإّن القادر الوحيد الذي ليس لأحد بتاتاً أن يسلبَه قدرتَه، والحاضر في كلّ مكان، والنافذة إرادته في كلّ شيء، هو الله سبحانه وتعالى. إذن فأهل الآخرة قد وصلوا إلى مرتبة من التوحيد الأفعاليّ بحيث لا يرون فيها سوى الله مؤثّراً مستقلاًّ.

المؤثّر الحقيقيّ

يُعنى القرآن الكريم عناية خاصّة بنسبة جميع ظواهر الكون إلى الله عزّ وجلّ. فهو يقول في آيات شتّى: نحن الذين نُنشئ السحاب، ونحن الذين نحركّه، ونسوقه إلى أرض ميتة، ونحن الذين نُمطره، فنُنبت به الزرع من الأرض، ونحن نرزقكم من الحبوب والثمار التي نُنبتها في الأرض، بل نحن نفلق الحبّ الذي يسقط على الأرض. وإنّ هذا التوجّه الخاصّ يُلمَس في كلّ موضع من كتاب الله وبصور شتّى. بل ويجري هذا النهج أيضاً على أفعال البشر الاختياريّة، تلك التي لولا الاختيار لما سُئل فاعلها عنها ولما بقي مجال للثواب أو العقاب عليها. ومن هذه الأفعال الإيمان، فلو لم يكن إيمان المرء وقبوله الهداية نابعاً من اختياره، فما هي الثمرة المرتجاة منه؟! غير أنّ الله عزّ وجلّ ينسب إيمان عباده إلى نفسه، فيقول: «وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ»[4]. وإنّ العلّة وراء تأكيد القرآن الكريم على أنّه ما من أمر إلا وبيد الله إنجازه هي تنبيه الناس إلى أنّه ثمّة نظام آخر مهيمن على كافّة شؤون الكون وحوادثه هو فوق الأسباب المادّية والطبيعيّة التي يعيشها الإنسان ويعرفها.

ولتقريب المعنى إلى الذهن لنتصوّر سيّارة تسير. فإن سُئل مهندس عن كيفيّة سيرها قال: «يمتزج البنزين في محرّكها بالهواء، فيحترق، فتتحوّل الطاقة الكيمياويّة إلى طاقة حركيّة تدير المحرّك، فيعمل الأخير – عبر القوى المحرّكة – على إدارة العجلات، فتسير السيّارة». وهذا الجواب صائب. لكن إذا لم يجلس سائق السيّارة خلف المقود فكيف ستسير؟ فقد لا يلاحَظ السائق، إلاّ أنّ السيّارة بحاجة إليه إضافة إلى الطاقة والقوى المحرّكة.

فأغلبنا لا يرى فيما يجري في العالم من أحداث سوى تأثير العوامل المادّية ولا يلتفت إلى أنّه ثمّة، مضافاً إلى تلك العوامل، يوجد عامل آخر يسمو عليها هو ضروريّ في السيطرة على الأمور وتوجيهها، ويد أخرى فوق هذه الأسباب تدير هذا النظام الكونيّ. فحتّى الإنسان الذي يفكّر، ويقّرر، ويريد، ويحرّك أطرافه بقوّته البدنيّة للقيام بعمل ما فهو ليس بخارج عن هذا النظام. فلو صعّدنا نظرتنا عن عالم الطبيعة قليلاً ورأينا النظام الماثل فوق الأسباب الطبيعيّة، لشاهدنا كيف أنّ جميع العوامل المتوفّرة في العالم المادّيّ تُدار بمنظومة أخرى. ولا يعني هذا بالطبع نفي تأثير هذه الأسباب، بل إنّ تأثيرها متأثّر بتلك الإدارة. فالقرآن الكريم يحاول، عبر التأكيد على دور الله عزّ وجلّ في جميع الأمور، السموّ بالإنسان عن حيّز الأسباب المادّية الضيّق ولفت نظره إلى وجود عامل هو فوق العوامل الظاهريّة، كي يشاهد سائقَ السيّارة الذي يمسك بمقودها أيضاً.

فابن آدم في سلوكه يقصر نظره عادةً على العوامل الظاهريّة ولا يلتفت إلى محلّ الله تعالى من الإعراب. فالإنسان يجوع، ولابدّ أن يأكل طعاماً لسدّ جوعه، ومن أجل الحصول على الطعام يتحتّم عليه دفع المال، وبغية كسب المال عليه أن يعمل، فما هو دور الله جلّ وعلا في هذه العمليّة؟

ومع أنّ أغلب الناس يقرّون بوجود الله، لكنّهم غافلون عن أثره في مجريات وأحداث العالم، وهذه هي الظلمات التي يسير فيها ابن آدم. وإنّ باستطاعة كلّ امرئ، بمقدار إيمانه، أن يفتح من هذه الظلمات نافذة إلى النور. فبعض الناس لا يتذكّرون ربّهم إلاّ عند المصائب والملمّات. ويشبّه الله هؤلاء بمن: «رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ»[5] (أي السفينة) حتّى إذا هّبت أعاصير عاتية، وأخذت أمواج البحر المتلاطم تأخذ سفينتهم ذات اليمين وذات الشمال، واستولى الذعر على كلّ ذرّة في كيانهم مخافة الغرق، وفقدوا كلّ أمل. في موقف كهذا لا يبقى أمام الإنسان بُدٌّ سوى التوسّل بالله جلّت آلاؤه. فهاهنا: «دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنا مِنْ هذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرين»[6]. لكنّ هؤلاء القوم أنفسهم الذين توجّهوا إلى الله داعين ملتمسين في مثل هذا الظرف تراهم ينسون ربّهم ثانية بعد ما نجوا ووطأت أقدامُهم برّ الأمان: «فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُون»[7]. ألا وإنّ هذه حال أغلبنا! والقرآن الكريم الذي هو نور الله يحاول إنقاذنا من هذه الظلمات كي نرى يد الله في كلّ شيء فيستقطب اهتمامنا ونعقد عليه آمالنا، فينهل كل ّامرئ من تذكيرات القرآن الكريم بحسب معرفته وإيمانه.

وخلافاً لأغلبنا حيث لا نقيم لله سبحانه وتعالى في حياتنا وزناً وتنصبّ آمالنا في الخلق فقط، فإنّه ثمّة من بين عباد الله مَن يستحوذ الله على اهتمامهم في كلّ حال، وهم الذين يصفون ربّهم بهذه الصفة: «وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقينِ»[8]. فحينما سأل النمرود نبيّ الله إبراهيم (عليه السلام): «مَن ربّك». قال إبراهيم: «إنّه الذي يطعمني الطعام ويسقيني الماء! فلم يقل: «الذي يرزقني»، بل قال: «الذي يطعمني». «وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِين»[9]. فمحلّ الطبيب والدواء محفوظ، أمّا الذي يُشفي فهو الله. ومن هنا فإنّه (عليه السلام) يقول: «إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِين»[10].

هكذا هم عباد الله الخُلّص. فعندما رموا بالنبّي إبراهيم (عليه السلام) بالمنجنيق إلى النار جاءه جبرئيل (عليه السلام) وقال له: «هل لك من حاجة»؟ فقال: «أمّا إليك فلا»![11]؛ فأنا لست بحاجة إليك أمّا إلى الله فإنّي محتاج من قمّة رأسي إلى أخمص قدمَيّ. وميزة عباد الله هؤلاء أنّ «الناس عندهم موتى» ليسوا مصدراً لأيّ أثر. فهم يعاشرونهم، ويحترمونهم، ويقضون حوائجهم، لكنّهم لا يرونهم مصدرَ أثرٍ في أيٍّ من شؤونهم، لأنّ جميع الأمور تُدَبَّر من موضع آخر. على أنّه ينبغي لكلّ امرئ أن يؤدّي واجباته تجاه نفسه، وتجاه الله، وتجاه الناس، لكنّه ليس لتصرّفاتنا من أثر إلاّ بمقدار ما يدبّره هو عزّ وجلّ، فجميع المخلوقات أدوات يعتمد تأثيرها على إذنه تعالى. فمتى ما أذن الله، استطاعت فعل شيء، سواء أكان شيئاً عاديّاً، مثل: «وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ»[12]، أو خارقاً كإبراء المرضى بيد نبيّ الله عيسى (عليه السلام): «وَتُبْرِئُ الأَكْمَهَ وَالأَبْرَصَ بِإِذْنِي»[13].

تأثير الرؤية في السلوك

أهل الآخرة الذين يرون الناس جميعاً موتى لا يرون الحياة إلاّ لله جلّ وعلا: «وَاللَّهُ‏ عِنْدَهُمْ‏ حَيٌ‏ قَيُّومٌ كَرِيمٌ». ألا وإنّ من ينال هذه الرؤية، التي أَتحفَ الأنبياءُ (عليهم السلام) البشرَ بها، يتغيّر نمط حياته تغييراً جذريّاً. فلو ألقينا إلى حياتنا نحن نظرة لرأينا أنّنا لا نتوانى عن فعل أيّ شيء لبلوغ مآربنا؛ فنحن ننتشي لإطراء الناس لنا، نخطّط للحصول على المناصب، نتآمر، نظلّ سنوات نقلّب الأفكار ونرسم الخطط ولربما نستعين بالكذب والخديعة علّنا نربح الانتخابات يوماً لنتربّع لبضعة أيّام على مقعد الرئاسة! معنى ذلك أنّنا نرى الناس هم الأحياء ونعتقد بأنّ باستطاعتهم - عبر الدعاية والأموال وما إلى ذلك – توفير الكراسي والمقامات لنا. أمّا دَور الله تعالى في كلّ هذا فلعلّنا نتخيّل أنّه سبحانه أجلّ من أن يقحم نفسه في مثل هذه الأمور! في حين أنّ القرآن الكريم يقول في الباري جلّ وعلا: «تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ»[14]، فما من خير إلا وهو بيده. ويقول في آية أخرى: «وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ»[15]، فإن أراد الله بشخص خيراً فلا أحد يستطيع منعه منه وإن أراد بشخص ضرّاً فليس لامرئ تغيير تقدير الله. إذن فمَن ذا الذي يمكن اعتباره حيّاً؟

«وَاللَّهُ‏ عِنْدَهُمْ‏ حَيٌ‏ قَيُّومٌ كَرِيمٌ» فإنّ النعم كلّها، حسب أهل الآخرة، تُسبَغ بلطفه وكرمه عزّ وجلّ، وإنّ تدبير العالَم تكويناً وتشريعاً بيده. أمّا أغلب الناس فإمّا أنّهم لا يؤمنون بذلك، أو أّنهم غافلون عنه يلهثون وراء الأسباب كافرين بأنعمه تعالى. ولعلّ هذا ما دفع المرحوم الشيخ غلامرضا كوتشه بيوكي، أحد علماء يزد الأجلاّء، إلى القول: «غيّر عقلك يا عزيزي»! فينبغي أن نغيّر رؤيتنا ونؤمن بأنّ مقاليد الأمور ليست بيد هذا وذاك، وأن نضع في حسباننا بأنّ هنالك ربّاً بيده كلّ شيء. فإن غفلنا عن ذلك بُلينا بالسنن الإلهيّة.

سُنَن الله التي لا تبديل لها

لا يجامل الله عزّ وجلّ أحداً حتّى أنبياءه (عليهم السلام) في إجرائه سُنَنَه. فماذا فعل جلّ وعلا مع نبيّه يونس (عليه السلام)؟ فلقد دعا يونس قومَه أعواماً إلى دين الله ولم يؤمنوا، فسأل ربّه أن ينزل عليهم العذاب. فلمّا بانت أمارات العذاب تركهم، وهو نهج ليس بالمحبَّذ كثيراً في منطق الرحمة الإلهيّة. «وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ»[16]؛ فلقد هجر يونسُ قومَه غاضباً ظنّاً منه أنّ الله لن يضيّق عليه لتركه هذا الأَولى، فكان عقابه أن يلتقمه الحوت ويلبث في بطنه لا يجد سبيلاً للخلاص «فَنَادَىٰ فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلٰهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ»[17]. تنبّه يونس وهو في بطن الحوت إلى خطئه فبادر إلى التوبة وراح يسبّح الله، فأنجاه الله. ومع ذلك يقول جلّ وعلا في موضع آخر: «فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ‏ * لَلَبِثَ فِي‏ بَطْنِهِ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ»[18]، فلو أنّه لم يرجع عن خطئه لتورّط بالسنّة الإلهيّة إلى الأبد، لأنّ الله لا يجامل حتّى نبيَّه، ولهذا فهو جلّ وعلا يقول لنبيّه الكريم (صلّى الله عليه وآله): «وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ»[19]، اقتدِ يا محمّد بجميع الأنبياء، لكن لا تكن مثل يونس، واصبر في الظروف الصعبة: «فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ»[20].

فالله تبارك وتعالى شديد جدّاً في إجرائه سُنَنَه ولا يستثنى من هذه القاعدة حتّى الأنبياء (عليهم السلام). فلا نتصورَنّ أنّ كوننا مسلمين، وشيعة، وثوريّين، ومشاركين في جبهات القتال، ومجروحين فيها، ..الخ هي ميزات تجعلنا عزيزين مميَّزين عند الله فيُغضَى عن خطايانا ومعاصينا! فإنّ حساب الله دقيق، وإنّ كلّ صنيع تصنع تُؤجَر عليه، كما أنّ لكفران النعمة، والغفلة عن الله، وطَرق باب غيره حسابَه الخاص، فالذي يرتكب ذلك يوكله الله إلى نفسه ويقول له: «ما دمتَ لجأت إلى غيري فدعك عنّي ولا شأن لي بك»!

فإن أحببنا التنعّم بألطاف الله وأياديه علينا في حياتنا الدنيا والأخرى وصيانة أنفسنا من البلايا ووساوس النفس والشيطان فعلينا أن نكون عبيداً لله وأن لا نرى لأنفسنا قيمة أمامه، بل أن لا نجد في أنفسنا اللياقة لمخاطبته بشكل مباشر، فنعمد دائماً بأدب إلى شفاعة أوليائه عندَه ونتوجّه إلى الحضرة الإلهية متوسّلين بهم. فإنّه من لطف الله تعالى أيضاً أن يوسّط العبد العاصي عند الله أولياءه الصالحين إذا استحيى بسبب خطاياه من النظر في وجه بارئه، فيناجيه على استحياء: «اللَّهُمَّ إِنْ كَانَتْ ذُنُوبِي‏ قَدْ أَخْلَقَتْ‏ وَجْهِي‏ عِنْدَكَ‏ وَحَجَبَتْ‏ دُعَائِي‏ عَنْكَ‏ وَحَالَتْ بَيْنِي وَ بَيْنَك‏... فَهَا أَنَا ذَا مُسْتَجِيرٌ بِكَرَمِ وَجْهِكَ وَعِزِّ جَلالِكَ مُتَوَسِّلٌ إِلَيْكَ مُتَقَرِّبٌ إِلَيْكَ بِأَحَبِّ خَلْقِكَ إِلَيْكَ وَأَكْرَمِهِمْ عَلَيْكَ وَأَوْلاهُمْ بِك»[21]؛ اللهمّ إن كانت ذنوبي قد سوَّدَت وجهي وحجبتني عنك فلم تعُد تسمع صوتي فإنّي أوسّط لحضرتك أفضل عبادك عندك.

نسأل الله ببركة أوليائه أن يسبغ على أفئدتنا التي لا تساوي شيئاً مثقالَ ذرّة من هذه المعرفة.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.



[1]. بحار الأنوار، ج74، ص24.

[2]. سورة النمل، الآية 80.

[3]. سورة الأنعام، الآية 122.

[4]. سورة يونس، الآية 100.

[5]. سورة العنكبوت، الآية 65.

[6]. سورة يونس، الآية 22.

[7]. سورة العنكبوت، الآية 65.

[8]. سورة الشعراء، الآية 79.

[9]. سورة الشعراء، لاآية 80.

[10]. سورة الأنعام، الآية 162.

[11]. الأمالي للصدوق، ص457.

[12]. سورة آل عمران، الآية 145.

[13]. سورة المائدة، الآية 110.

[14]. سورة آل عمران، الآية 26.

[15]. سورة يونس، الآية 107.

[16]. سورة الأنبياء، الآية 87.

[17]. نفس الآية السابقة.

[18]. سورة الصافات، الآيتان 143 و144.

[19]. سورة القلم، الآية 48.

[20]. سورة الأحقاف، الآية 35.

[21]. بحار الأنوار، ج99، ص172.

 

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org