قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 8 تموز 2014م الموافق لليلة الحادية عشرة من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

افتح عين القلب وسترى الحبيب

33

 

إشارة

متابعةً لتوضيح مقاطع من حديث المعراج القدسيّ الشريف وصلنا إلى حيث يقول الله عزّ وجلّ: إنّ الذين نالوا الشروط المذكورة في الحديث هم عباد الله الخاصّون وإنّه تعالى سيثيبهم ثواباً عظيماً على مساعيهم وذلك بأن يودع في قلوبهم محبّته التي هي كالجوهرة الثمينة: «فإذا فعل ذلك أسكنتُ في قلبه حبّاً حتّى أجعلَ قلبَه لي»[1]. والمقاطع التي سبقت هذه الفقرة أكّدت على أنّه إذا حظي الإنسان بالأهليّة اللازمة فإنّ الله تعالى بعناياته سيتصرّف بعواطفه وأحاسيسه كي ينحصر التفاته لربّه ويتّجه سيره نحوه عزّ وجلّ حتّى يبلغ مقاماً يكون قلبه لله وحده: «حتّى أجعلَ قلبَه لي». أمّا في هذا المقطع من الحديث فإنّ الله تعالى يجعل «القلب» مستقَرّاً للمحبّة. وقد استُخدمت لفظة «القلب» في المقاطع التالية أيضاً، لكن باختلاف قليل عن المثال الأوّل. يقول الله سبحانه وتعالى في هذا المقطع: «وأفتحُ عينَ قلبه وسمعَه حتّى يسمع بقلبه وينظر بقلبه إلى جلالي وعظمتي». ويُفهم من هذه الجملة أنّ لقلب الإنسان عيناً واُذناً وهما مغلقتان عادة، فإن توفّرت الشروط والمقدّمات المطلوبة فسيشمله الله بعنايته ويثيبه بفتح عين قلبه واُذنه. وفي هذه الحالة فإنّه: «يسمع بقلبه وينظر بقلبه إلى جلالي وعظمتي» أي إنّ في ميسور الإنسان حينئذ أن يسمع بإذن قلبه وينظر بعين قلبه إلى جلالي وعظمتي. فلقد عُدّ «القلب» في هذا المقطع من الحديث كوسيلة لأنواع المعرفة الخاصّة؛ الرؤية الخاصّة، والسماع الخاصّ، والإدراك الخاصّ؛ حيث إنّ له عيناً واُذناً وهما إذا فُتحتا بعناية من الله ورحمته فسيرى القلب ويسمع اُموراً لا يراها ولا يسمعها الآخرون. وباستطاعتنا أن نفهم من هذا البيان أنّ القلب يمثّل وسيلة للمعرفة والشهود والرؤية، وهو يمثّل استخداماً آخر لكلمة «القلب» يختلف عن كونه موضعاً للمحبّة والعواطف.

بالالتفات إلى ما تقدّم يتبادر السؤال التالي إلى الذهن: ما هو القلب أساساً كي يكون تارةً موضعاً للمحبّة، ويمتلك تارة اُخرى عيناً واُذناً؟ وما هو شكل عين القلب واُذنه اللتين تكونان مغلقتين حيناً ومفتوحتين طوراً؟ وعندما تفتحان فما الذي سيراه القلب وما الذي سيسمعه؟ وما معنى مشاهدة جلال الله وعظمته بواسطة عين القلب؟ إنّ الموضع الرئيسيّ للبحث حول هذه المباحث يكمن في أواخر الآيات التي تتضمّن مفردة «القلب». لكن بما أنّ الكلام حول هذا الحديث الشريف قد بلغ بنا إلى هذا الموضع فلابدّ من البحث في هذا الموضوع لرفع الإبهامات والإجابة على الأسئلة المطروحة في هذا الباب.

استخدامات كلمة «القلب»

لقد ذكر القرآن الكريم والأحاديث الشريفة للقلب - باعتباره جزءاً من وجود الإنسان - ميزتين اثنتين: أولاهما هي أنّه موضع العواطف والأحاسيس. وإنّ تعابير من قبيل «التعلّق» و«الشغف» ناظرة إلى هذه الميزة. ويشاهد في القرآن الكريم أيضاً مثل هذا الاستخدام ﻟ «القلب» ومرادفه «الفؤاد»؛ كقوله تعالى: «وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَىٰ فَارِغاً إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلاَ أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»[2]؛ فلقد استولى القلق على اُمّ موسى بعدما رمت رضيعها في النيل واضطربت اضطراباً شديداً، لكنّنا ربطنا على قلبها وأزلنا اضطرابها وألقينا فيه السكينة والطمأنينة. وقد نُسبت في هذه الآية إلى القلب الحالات العاطفيّة. ويقول تعالى في موضع آخر: «أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ»[3]. ومن هنا فإنّ القلب هو الشيء الذي يكون هادئاً تارةً ومضطرباً هائجاً تارةً اُخرى؛ بمعنى أنّه وعاء أحاسيس الإنسان وعواطفه.

أمّا الاستخدام الثاني لمفردة «الفؤاد» أو «القلب» فهو باعتباره أداة للمعرفة؛ فعندما تصف آيةٌ أهلَ النار فإنّها تقول: «لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا»[4]؛ أي إنّهم اُناس لم يستعملوا قلوبهم للتعقّل والفهم الصحيح. كما ويقول تعالى في موضع آخر: «أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْءَانَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا»[5]؛ هل إنّ على قلوبهم أقفالاً يا ترى حتّى لا يفقهوا؟ ويُفهم من هذه الآية أنّ القلب السليم يستطيع الخروج بنتائج من خلال التفكير والاستدلال وفهم الحقائق أمّا الذين لا يدركون الحقائق فإنّ على قلوبهم أقفالاً.

كما ويمكن أن نستنتج من خلال دراسة موارد استعمال لفظة «المعرفة» في القرآن الكريم أنّ لهذه اللفظة أيضاً استخداماتٍ شتّى. فقد نُسب ضرب من المعرفة إلى القلب والفؤاد وهو ما يكون في متناول الجميع وعلى الناس جميعاً الإفادة منه؛ كقوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ»[6] حيث ذُكر القلب هنا إلى جانب العين والاُذن؛ ويعني: كما أنّ على الإنسان أن يسمع بعض الحقائق باُذنه، ويرى بعضها الآخر بعينه، فإنّ عليه أن يدرك قسماً منها أيضاً بفؤاده. ولعلّ في ذكر أدوات المعرفة هذه في عرض بعضها البعض إشارةً إلى أنّ جلّ المعلومات التي يحتاجها الإنسان في حياته تُستحصل إمّا بواسطة النظر أو عبر السمع أو عن طريق التفكير والتعقّل.

ولقد نُسب إلى القلب في آيات اُخَر نمط آخر من المعرفة ليس هو من نوع المفاهيم. فنحن نتصوّر أنّ ما نراه بأعيننا من ألوان يمثّل في الحقيقة تركيباً من الأمواج الضوئيّة بتردّدات معيّنة. وأنّ ما نسمعه بآذاننا هو سلسلة من الأمواج الصوتيّة. لكن ما الذي تدركه قلوبنا يا ترى؟ إنّها المفاهيم التي ندركها بعقولنا؛ بمعنى أنّ أداة إدراك العقل هي المفاهيم الذهنيّة وهي لا تصنَّف ضمن الاُمور الحسّية. لكنّه ثمّة شكل آخر من أشكال المعرفة يُنسب إلى القلب لا تكون أدواته المفاهيم الذهنيّة. وقد استُخدمت في مثل هذه المواطن تعابير: «الرؤية» و«النظر»؛ كما في الرواية المعروفة لأمير المؤمنين (عليه السلام): «لم تَرَه العيون بمُشاهَدة الأبصار ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان»[7]؛ فالله سبحانه لا تراه العين التي في الرأس، إنّما يراه القلب. فهنا لم يقل (عليه السلام) إنّ القلب «يدرك» الله، بل استعمل تعبير «الرؤية». وهذا ضرب من المعرفة يكون من صنف العلم؛ لكنّه غير المفهوم الذي يكوّنه ذهن الإنسان.

إذن فقد أسند القرآن الكريم إلى القلب ثلاثة اُمور: الأوّل هو الأحاسيس الخاصّة كالخوف والاضطراب والسكينة، والعواطف التي هي من قبيل الحبّ والبغض، هذا وإن عَدّ بعض علماء النفس الأحاسيسَ والعواطف أمرين منفصلين. والثاني هو إدراك الحقائق بصورة مفاهيم ذهنيّة وهو ما يُطلق عليه اصطلاحاً العلم الحصوليّ. والثالث هو شهود الحقائق ورؤيتها قلبيّاً. لكن لماذا نُسبت هذه الأنواع من المعرفة إلى القلب؟ أوليس القلب هو ذلك العضو الصنوبريّ المستقرّ عادةً في الجانب الأيسر من الصدر والذي يعمل على ضخّ الدم إلى كافّة أنحاء الجسم؟

وهنا قد تُطرح بحوث لغوية من قبيل: هل إنّ مفردة «القلب» تمثّل مشتركاً لفظيّاً أم معنويّاً؛ بحيث إنّها استُخدمت بصورة حقيقيّة في أحد المعاني المذكورة وبصورة مجازيّة في الآخر، أم إنّ هذه المفردة قد وُضعت ابتداءً لواحدة من هذه المعاني ثمّ انتقلت إلى المعاني الاُخرى فيما بعد، أم انّ بعض استعمالاتها يكون من باب الكناية والاستعارة؟ فالخوض في مثل هذه المسائل هو من اختصاص علماء اللغة والاُدباء حيث من الممكن، من خلال القرائن، التوصّل إلى المعنى الذي استُخدمت له المفردة في كلّ موضع. لكن ما يهمّنا هنا هو معرفة الاستخدامات المختلفة للفظة «القلب» كي لا نخلط بينها.

يقول الباري عزّ وجلّ في مقطع من الحديث القدسيّ محطّ البحث: «أسكنتُ في قلبه حبّاً»؛ إنّني اُسكن حبّي في قلب المؤمن الذي وفّر في نفسه شروطاً معيّنة. لكنّه يقول في الفقرة التالية: «وأفتحُ عينَ قلبه وسمعَه»؛ فالجائزة الثانية التي اُعطيها لهذا العبد هي أنّني أفتح عينَ قلبه وسمعَه. فما هي عين القلب، وما هو سمعه، وكيف يتمّ فتحهما؟

إنّنا عادة ننسب ما لا ندركه بالنظر والسمع من الـمُدرَكات إلى القلب: «أَنشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ». ويُستشفّ من استعراض الآيات القرآنيّة أنّ للإدراك الذي يُنسب إلى القلب وفقاً للاصطلاح القرآنيّ مراتبَ مختلفة؛ فمرتبةٌ منها لا تتجاوز حدّ الإدراك البسيط للمفاهيم الذهنيّة الذي يتمتّع به كلّ إنسان بمساعدة قوّته العاقلة سواء أكان كافراً أم منافقاً أم مسلماً، والذي يطلَق عليه اصطلاحاً بالعقل الأداتيّ، ويُعدّ التقدّم العلميّ والصناعيّ والفنّي أحد ثماره. أمّا الاستخدام الآخر للإدراك القلبيّ في القرآن الكريم فهو ما يطلَق بشكل خاصّ على إدراك الحقائق والإفادة منها من أجل المصالح الحقيقيّة. ووفقاً لهذا الاستخدام فإنّه لا عقل لمن لا يفيد من إدراكاته في الاتّجاه الصحيح. ومن هذا المنطلق يقول القرآن في حقّ الكفّار: «صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ»[8]. فلربما يكون بعض هؤلاء أشدّ منّا ذكاءً. أفكان عمرو بن العاص ومعاوية من السذّج؟ كلاّ، فقد كانا حادّي الذكاء، لكنّهما استعملا ذكاءهما في حرف المسلمين عن مسيرهم الصحيح. فهؤلاء – وفقاً للمنطق القرآنيّ – ليسوا عديمي العقل فحسب، بل إنّهم صُمّ وبُكم أيضاً. «لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا»؛ فهم يملكون قلوباً، لكنّهم لا يدركون بها شيئاً؛ بمعنى انّهم لا يفهمون الحقائق التي لابدّ من إداركها في اتّجاه مصالحها الحقيقيّة، بل يكتفون باللهث وراء إشباع غرائزهم الحيوانيّة. ومن هنا يقول فيهم عزّ من قائل: «أُوْلَـٰئِكَ كَالأَنْعَامِ»[9].

إذن فإنّ أحد استخدامات كلمة «القلب» في القرآن هو بمعنى الأداة والمرتبة أو الحقيقة الموجودة في روح الإنسان التي إذا أفاد منها الأخير بالشكل الصحيح فإنّه يكون قد أفاد من قلبه، وإلاّ فإنّه قد تركه معطّلاً ولم يستعمله. وقد ذُكر هذا المضمون في القرآن الكريم بالنسبة للعين والاُذن أيضاً؛ يقول تعالى: «وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا»[10]؛ فهم يملكون أعيناً، لكنّهم لا يستخدمونها بالشكل الصحيح، ولذا فإنّهم عُمْي. وقد وَضَّحت آية اُخرى هذا المضمون بهذه الكيفيّة: «فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلٰكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي‏ فِي الصُّدُورِ»[11]. فالأعمى الحقيقيّ هو الذي لا يدرك قلبه الحقائق ولا يفكّر فيها، أو الذي لا يحملها على محمل الجدّ، بل يستخدمها سُلّماً وأداةً للوصول إلى مبتغياته الدنيويّة. فشخص كهذا لم يستخدم في واقع الأمر قلبَه، بل وكأنّه ليس له قلب، أو أنّ قلبه أعمى.

افتح عين قلبك!

فما هو إذن معنى كون عين واُذن قلب الإنسان مفتوحتين انطلاقاً ممّا ذُكر؟ فبصيرو القلوب هم الذين يدركون الحقائق - كالتوحيد، والنبوّة، والمعاد، وباقي المعتقدات - ويعيشونها في حياتهم اليوميّة على النحو الصحيح. من هنا فإنّ كلّ مؤمن يؤمن بهذه الحقائق، يكون قلبه بصيراً. لكن لماذا قال في حديث المعراج: إنّ الله يمنّ بجائزة فتح عين القلب فقط على مَن ثابر وتحمّل الصعاب في إخراج حبّ الدنيا من قلبه، وذِكْر الله بشكل مستمرّ، والحرص على العمل بأحكامه بدقّة؟ فالظاهر أنّ هذا الإبصار هو غير ذاك، بل ويسمو عليه.

ويتعيّن القول توضيحاً لهذا التعبير: إنّ القلب هو العامل الباطنيّ لإدراك الحقائق، بما في ذلك الإدراك الحصوليّ والحضوريّ، وبما في ذلك إدراك المفاهيم وشهود الحقيقة. والمراد من «عين القلب» هي قوّة باطنيّة فينا وظيفتها الإدراك. لكن مَن الذين تكون عيون قلوبهم مفتوحة؟ ومن أجل الإجابة على هذا السؤال لابدّ من الالتفات إلى ملاحظة هي أدقّ ممّا ذُكر أعلاه.

نحن نعتقد بأنّه ثمّة اُمور يراها ويسمعها بعض عباد الله كالأنبياء والأولياء، كالرنّة التي أطلقها الشيطان غيضاً أثناء نزول الوحي والتي سمعها أمير المؤمنين (عليه السلام) فقال له النبيّ (صلّى الله عليه وآله): «إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وَتَرَىٰ مَا أَرَىٰ إِلاّ أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ»[12]؛ وعبارة «انّك لست بِنَبِيٍّ» هي كناية عن أنّك لست المتلقّي المباشر للوحي. فهؤلاء العظام كانوا يسمعون صوت الوحي أمّا غيرهم من الحاضرين فلم يكونوا يسمعونه. فالسيّدة الزهراء (سلام الله عليها) والأئمّة الأطهار (صلوات الله عليهم أجمعين) كانوا يرون جبرئيل (عليه السلام) ويسمعون كلامه. ومن هنا فإنّه ثمّة في هذا العالم – إجمالاً - بعض ما يُسمع وما يُرى ممّا لا نستطيع نحن سماعه أو رؤيته. ولتقريب المعنى إلى الذهن فلقد أثبت العلم اليوم أنّ اُذن الإنسان قادرة على سماع أمواج صوتيّة ضمن تردّدات معيّنة وهي غير قادرة على سماع أمواج ذات تردّدات أخفض أو أعلى. كما أنّ الأمواج الراديويّة التي تستلمها مستقبلة الراديو لم تكن مسموعة من قبل البشر قبل اختراع الراديو على الرغم من وجودها فعلاً بنفس هذا التردّد قبل ذلك الحين. كما أنّ النمط الآخر من مشاهدة الأشياء غير العاديّة هو ما يحدث للبعض في حالة الخُلسة. وإنّه وفقاً لمعتقداتنا أيضاً فإنّ جميع الناس، بما فيهم مكفوفو البصر، يشاهدون أمير المؤمنين (عليه السلام) ساعة الموت، أمّا غير الميّت فلا يشاهده. وهذا يدلّ على أنّ هذه الرؤية لا تحصل من خلال العين الظاهرة.

لقد أطلق بعض أهل المعقول على ما يشاهَد بهذه الطريقة مصطلح الصورة المثاليّة أو الصورة البرزخيّة وقالوا: إنّها صورة تقع بين المادّية والعقليّة، أو بتعبير آخر: بين المادّي المحض والمجرّد المحض. ويقول البعض الآخر: إنّ الميّت يرى بعينه البرزخيّة منكراً ونكيراً اللذين يأتيانه في أوّل ليلة عند إنزاله في القبر لسؤاله. كما أنّ هناك من يدّعي سماع أصوات لا يسمعها الآخرون. ومن الممكن نسبة مثل هذه المرئيّات والمسموعات إلى عين القلب واُذنه؛ بمعنى أنّ جزءاً من وجود الإنسان، الذي يصطلح عليه القرآن الكريم ﺑ «القلب» وتكون وظيفته الإدراك، يملك عيناً واُذناً تكونان مغلقتين عادةً وتُفتحان في مواطن معيّنة وعند أشخاص خاصّين. ولعلّكم سمعتم أنّ العين البرزخيّة لفلان من الناس مفتوحة، أو أنّ بعض العظماء والأولياء يرون باطن الأشخاص، أو يشاهدون بعض الناس على هيئة حيوانات بسبب ما ينطوون عليه من مَلَكات خبيثة. فمثل هذه الرؤية وهذا السماع لا يكونان عبر عين الإنسان واُذنه الظاهرتين، بل إنّها رؤية تحصل بواسطة أداة تسمّى عين القلب أو عين الباطن.

لكن هل المراد من قوله: «وأَفتَحُ عينَ قلبه وسمعَه» هو العين والاذن البرزخيّتان أم إنّه يعني العينَ والاُذن اللتين يرى ويسمع بها أشخاص معيّنون اُموراً مادّية غير عاديّة؟ أو أنّ المراد منها هو المعرفة الأكمل التي يمتلكها أمثال هؤلاء عن الله تبارك وتعالى؟ أم أنّ القضيّة مختلفة تماماً؟

نقول: لو أن الحديث كان قد اختتم كلامه بهذه العبارة لرضينا بهذه الاحتمالات، لكنّه عزّ وجلّ استطرد قائلاً: «وينظر بقلبه إلى جلالي وعظمتي». نفهم من هنا أنّ هذه العين ليست هي العين التي ترى وجه مُنكر ونكير، وأنّ هذه الاُذن ليست هي التي تسمع صوتهما، فهي ليست مجرّد عين تنظر إلى بواطن الأشياء، وإنّ ما يشير إليه الحديث الشريف هو شيء أسمى من ذلك. يقول ربّ العزّة: إنّ جائزة الذين يعملون على توفير هذه الشروط في أنفسهم ويتحمّلون لذلك النَّصَب والعناء هي أن اُسكن محبّتي في قلوبهم حتّى: «أجعلَ قلبَه لي، وفراغَه واشتغالَه وهمّه وحديثَه من النعمة التي أنعمتُ بها على أهل محبّتي» وفي إثر امتلاء قلوب هؤلاء العباد بمحبّتي تنفتح أعين وآذان قلوبهم أيضاً كي: «ينظر بقلبه إلى جلالي وعظمتي» وهي جائزة خاصّة لمن لم يبق في قلبه مجال لمحبّة غير الله حتى طفح بمحبّته تعالى إلى درجة أنّه اُهِّل لمشاهدة جلال الباري تعالى وعظمته. وهذه العين هي غير العين البرزخيّة والمثاليّة، وهي من مختصّات بعض أولياء الله ليس غير. وقد نستطيع أن نفهم من بعض الآثار أيّاً من الناس قد بلغوا هذه المراتب؛ فهم اُولئك الذين إذا سمعوا آيات ربّهم: «يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً»[13]. فأمثال هؤلاء قد فتح الله أعين قلوبهم، وظهرت آثار عظمة الله في سلوكهم، فذُهلوا عن أنفسهم، واُلجِمت ألسنتهم، وهم لا يكفّون عن البكاء.

ذات مرّة سمعتُ المرحوم السيّد مصطفى الخمينيّ (رحمه الله) يقول: كان المرحوم الآخوند المولى محمّد الكاشاني، الذي اشتغل بالتدريس في اصفهان، إذا قام في جوف الليل لصلاة الليل سبّحتْ أبواب المدرسة وجدرانها وأشجارها لتسبيحه، أمّا إذا وقف بنفسه للصلاة اعترته رعدَة حتّى لا يستطيع السيطرة على نفسه. وهذه الحالة إنّما هي ناجمة عن إدراك حقيقيّ لعظمة الله تعالى. فإذا صار القلب لله، فإنّه عزّ وجلّ سيمنحه هذا النمط من الإدراك ويفتح عينه، كي يكون مصداق قوله تعالى: «ينظر بقلبه إلى جلالي وعظمتي».

رزقنا الله وإيّاكم ذلك إن شاء الله 


[1]. إرشاد القلوب، ج1، ص204.

[2]. سورة القصص، الآية 10.

[3]. سورة الرعد، الآية 28.

[4]. سورة الأعراف، الآية 179.

[5]. سورة محمّد (صلّى الله عليه وآله)، الآية 24.

[6]. سورة «المؤمنون»، الآية 78.

[7]. الكافي، ج1، ص97، باب في إبطال الرؤية.

[8]. سورة البقرة، الآية 171.

[9]. سورة الأعراف، الآية 179.

[10]. سورة الأعراف، الآية 179.

[11]. سورة الحجّ، الآية 46.

[12]. نهج البلاغة، الخطبة 192 المعروفة ﺑ «القاصعة».

[13]. سورة الإسراء، الآية 109.

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org