قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 1 تموز 2014م الموافق لليلة الرابعة من شهر رمضان 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

الدنيا والآخرة

26

 

إشارة

تناولنا في المحاضرات السالفة مقطعاً من حديث المعراج يخاطب الله تعالى فيه نبيّه الكريم (صلّى الله عليه وآله) بالقول: «وأمّا الحياة الباقية فهي التي يعمل لنفسه حتّى تهون عليه الدنيا وتصغُر في عينيه وتعظُم الآخرة عنده»[1]، وهو يعني أنّ الخطوة الاُولى لوصول الإنسان إلى الحياة الباقية المطلوبة هي أن تصغر الدنيا في عينيه. ومن أجل استيعاب هذه المسألة بدقّة والحكم عليها وتقييمها بشكل صحيح لابدّ أوّلاً من الوصول إلى فهم صحيح ودقيق لمفهومي «الدنيا» و«الآخرة».

«الآخرة» في اللغة

مفردة «آخر» هي صيغة فاعل من أصل «أَخَرَ» الذي لا يستعمل فعله إلاّ في أبواب «التفعيل» و«التفعّل» و«الاستفعال»، وليس له استخدامات في صيغه المجرّدة والمزيدة الاُخرى. وتُستعمل هذه الكلمة عادةً في مقابل «الأوّل»؛ كقوله: «هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ»[2]، وهاتان الكلمتان متضايفتان؛ بمعنى أنّهما تُستخدمان لأمرين بينهما تقدّم وتأخّر، فأحدهما أوّل والثاني آخِر. أمّا كلمة: «الآخرة» بتاء التأنيث فوفقاً لقاعدة في الأدب العربيّ فإنّ الموصوف المؤنّث لبعض الصفات يُحذف بسبب كثرة الاستعمال؛ مثل: «حسنة» و«سيّئة» و«خطيئة». فالأصل في «الحسنة» هو «الخصلة الحسنة» حيث حُذفت كلمة «الخصلة» تدريجيّاً وبقيت صفة «الحسنة». وقد استُخدمت هذه الكلمة في القرآن الكريم أيضاً في قوله تعالى: «مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِّنْهَا»[3]. وحتى كلمة «الآخرة» فقد ذُكرت في القرآن الكريم مراراً بعنوان كونها صفة لكلمات مؤنّثة ويُستشَفّ من ذلك أنّ هذه المفردة هي الاُخرى كانت في سائر الأمثلة صفة لموصوف مؤنّث وقد نُسي موصوفها شيئاً فشيئاً لتحلّ هي محلّه؛ مثل قوله: «الدَّارَ الآخِرَةَ»[4]، و«النَّشْأَةَ الآخِرَةَ»[5]. ويمكننا أن نفهم من خلال المعنى اللغويّ لكلمة «الآخرة» واستعمالاتها القرآنيّة - حيث جاءت تارة في مقابل «الدنيا» واُخرى في مقابل «الاُولى» - أنّ لدينا حياتين: «إِنَّ لَنَا لَلآخِرَةَ وَالأُولَىٰ»[6]؛ فالحياة الاُولى هي التي تكون في هذه الدنيا وهي قريبة، والحياة الاُخرى التي هي في العالم الآخر وهي بعيدة.

استخدامات كلمتَي «الدنيا» و«الآخرة»

تُستخدم كلمتي «الدنيا» و«الآخرة» بعدّة وجوه؛ فقد يُراد من «الدنيا» هذا العالم والنظام المهيمن عليه، ويراد من «الآخرة» ذلك العالم الذي يأتي وتتحقّق تفاصيله بعد عالم الدنيا. فالقرآن الكريم لم يعدّ النظام الموجود في هذا العالم نظاماً باقياً ودائميّاً، بل أكّد على أنّه سيتلاشى وسيزول كلّ من الشمس والقمر والكواكب: «وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انتَثَرَتْ»[7]، «وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ»[8] (أي انطفأت)، «وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ»[9]، أو «إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ»[10]. فهذه الآيات تتحدّث عن نشأة يتغيّر فيها كلّ شيء ولا يبقى على ما نراه عليه في هذا العالم، وتتحوّل فيها منطقة الوجود إلى منطقة مستوية تخلو من أيّة وعورة: «فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً * لا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً»[11]. لكن ما الذي سيحدث بعد ذلك؟ لا نعلم. لأننا لا نفهم إلاّ ما قد مارسناه وشاهدنا نماذج له في هذا العالم؛ كإنتاج المادّة من تراكم الطاقة، أو تولّد الطاقة من إشعاع المادّة.

ومن خصوصيّات الآخرة هو وجود الجنّة والنار وكون الجنّة واسعة جدّاً: «وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ»[12]، أي سماوات وأرض هذا العالم. ومن خصوصيّات عالم الآخرة أيضاً أنّه يمتاز فيه الصالح عن الطالح، والحسن عن القبيح، والحزن عن الفرح، واللذّة عن العذاب، خلافاً لعالم الدنيا الذي قد تجتمع فيه هذه الصفات المتضادّة، بل وقد تمتزج مع بعضها أيضاً؛ فقد تكون لشخص واحد شخصيّتان: إحداهما صالحة تتّصف بصفات حسنة والثانية طالحة بسجايا سيّئة. أمّا في عالم الآخرة فتنفصل كلّ هذه الاُمور عن بعضها البعض؛ وهو ما يعبّر عنه القرآن الكريم: «يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ»[13]. فلا يمكن أن يجتمع الصالحون والطالحون معاً في ذلك اليوم، بل ستُجعل كلّ طائفة منهم في مكان معزول عن الآخر يُدعى أحدهما الجنّة والثاني النار. ففي الجنّة لن يكون ثمّة أيّ عذاب أو مشقّة أو تعب أو نصب أو ملل أو ضعف أو غمّ أو حزن. كما لن يكون ثمّة في النار أيّ راحة أو طمأنينة أو فرح.

حقيقة الدنيا والآخرة

فأوّل استخدام لمفردتَي «الدنيا» و«الآخرة» هو إطلاقهما على هذين العالمين اللذين يتقدّم أحدهما على الآخر ولا تبقى موجودات الأوّل على حالها في الآخرة. وقد أشارت آيات من الذكر الحكيم إلى هذا المعنى، كقوله تعالى: «وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ»[14]، أي اضطرمت فيها النيران، وقوله: «فَيَذَرُهَا قَاعاً صَفْصَفاً»، يجعل منطقة الوجود قاعاً مستوياً لا تموّج فيه. ففي ذلك اليوم تلتصق الشمس بالقمر وتتناثر النجوم؛ أي ستختفي قوّة الجاذبيّة التي كانت تسيطر عليها وتنظّم مدار كلّ منها. كلّ هذه العبارات تشير إلى أنّ النظام المهيمن على عالم الدنيا سيتغيّر في الآخرة ولن تبقى أيّ ظاهرة في الأخير على ما هي عليه اليوم. إذن فالموجودات الدنيويّة ليست هي من سنخ الاُخرويّة. بالطبع نحن لا نعلم أيّ نمط من الموجودات ستكون هذه الأخيرة، لكنّنا نعلم – اعتماداً على القرآن والسنّة – أنّ نوعين من الكائنات الموجودة في هذا العالم وهما الإنس والجنّ سيحافظان على أنفسهما في العالم الآخر مع حدوث بعض التغييرات في جميع ظواهرهما من المادّة والشخصيّة والهويّة. فإنّ لأفراد هذين النمطين من الكائنات عالمين هما دار الدنيا ودار الآخرة؛ فهم يعيشون اليوم في هذا العالم، أمّا بعد الموت فسيُبعثون ثانية في العالم الآخر ليبدأوا حياة جديدة ليس لها نهاية.

وفي هذا المقام يتمّ دراسة الحياة الدنيا والحياة الآخرة من زاوية علم الوجود، حيث تُبحث الحقائق الخارجيّة والاختلافات الماهويّة والخصوصيّات الوجوديّة لكلّ منهما. وعلى هذا الأساس فلا يسعنا تحديد ما إذا كانت الدنيا هي الأفضل أم الآخرة، كما لا نستطيع أن نعلم إنْ كانت الكرة الأرضيّة أفضل أم كرة القمر. إذ أنّ لكلّ واحد منها خصائصَه الوجوديّة الخاصّة به ولا يَرِد على أيّ منها ثناء أو ذمّ من هذه الجهة. ولعلّ هذا هو الأساس الذي استند إليه أمير المؤمنين (عليه السلام) في ردّه على مَن ذمّ الدنيا في حضرته حيث قال: «إنّ الدنيا دار صِدق لمَن صدَقها... ودار موعظة لمَن اتّعظ بها، مسجد أحبّاء الله، ومصلّى ملائكة الله،... ومتجَر أولياء الله»[15]. فأيّ سوء في الدنيا يا ترى؟ فهاهنا المسجد الذي يهوي فيه أحبّاء الله على الأرض سُجّداً لربّهم، وهاهنا مصلّى ملائكة الله. وإنّ كلّ من يصدُق مع الدنيا تَصدُق الدنيا معه، فهي لا تُخفي عن أحد حقائقها، وإن فتّش المرء بصدق عن الموعظة والعبرة فستكون أفضل واعظ له. وهي متجَر أولياء الله؛ فلولاها لما كان لأولياء الله محلّ يتاجرون فيه بفعل الخيرات ويجنون لآخرتهم الأرباح. فأيّ مذمّة لدنياً هذه صفاتها؟!

بالطبع من الممكن، انطلاقاً من هذا المفهوم، مقارنة الخصوصيّات الوجوديّة للدنيا والآخرة مع بعضها. فعالم الدنيا على سبيل المثال بكلّ ما بُيِّن له من سعة بسماواته السبع والمسافة التي تبلغ خمسمائة سنة بين كلّ سماء واُخرى، وسعة المنظومة الشمسيّة ونسبتها إلى مجرّة درب التبّانة، وغير ذلك من الأرقام والأبعاد المذكورة بخصوص مسافات وحدود العالم، نقول هذا العالم مع كلّ هذه السعة التي لا يمكن تصوّرها بشكل صحيح ومع كلّ ما اُوتي من عظمة لا يسع الإنسان إلاّ أن ينحني أمامها خضوعاً وإجلالاً، لا يمكن قياسه بالجنّة التي أعدّها الله سبحانه وتعالى لأوليائه في العالم الآخر؛ فعرضُ تلك الجنّة بعرض جميع هذه السماوات والأرض. كما أنّ عمر هذا العالم لا يساوي شيئاً أمام عمر العالم الآخر. لكنّه ما من واحدة من هذه الصفات تندرج في مقام التقييم. وحتّى القرآن الكريم فإنّه يقول بالنسبة لمقارنة من هذا القبيل: «اعْلَمُواْ أَنَّمَا الْحَيَوٰةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ  بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلاَدِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً»[16]؛ فحياتكم في هذا العالم، مع كلّ ما له من عرض وطول، لا تعدو كونها لهواً ولعباً وانّ كلّ ما تتفاخرون به من أموال وممتلكات وحسَب ونسب إنّما مَثَله كمَثَل مطر يفرح به المزارعون، لكنّ الزرع الأخضر الذي ينبت بسببه والذي يُعجب المزارعين سرعان ما يصفرّ ويجفّ فتنثره الرياح هنا وهناك. هذا هو مَثَل الدنيا؛ فهي كالشخص اليافع أو الشابّ الذي يذهب عنه نشاطه وغضاضته شيئاً فشيئاً حتّى يشيخ ثمّ تكون النتيجة «إنّا لله وإنّا إليه راجعون»: «اللهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ»[17]؛ فالله قد خلق ابن آدم ليمرّ بكلّ هذه المراحل حتّى يموت في نهاية المطاف.

فهذه مقارنة بين الحياة الدنيا والحياة الآخرة وهي لا تدلّ بالضرورة على سوء الحياة الدنيا، بل هي تذكير بأنّ الاُولى تختلف عن تلك التي تأتي بعدها اختلافاً كبيراً. فالمحاسبات الـتي تجري في ذلك العالم تختلف عمّا هو موجود هنا، كما أنّ كلّ ما هو موجود في هذا العالم من عقود وجعل واعتبارات، بما في ذلك العلاقات النسبيّة والسببيّة، سيزول: «فَلاَ أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ»[18].

الاستخدام الآخر لمفردتي «الدنيا» و«الآخرة» هو لبيان العلاقة والنسبة فيما بينهما، والإرشاد إلى مقدار ما ينبغي أن نعمل لهذا العالم ومقدار ما يجب أن نعمل لذلك العالم. وفي هذه الحالة أيضاً فإنّ الدنيا ليست بمذمومة، لكنّها – بالطبع – قليلة وحقيرة مقارنة بالآخرة: «قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ»[19]. ومع ذلك فحتّى في هذا المقام فإنّ الكلام لا يدور عن كون الدنيا سيّئة والآخرة جيّدة.

تقييم الدنيا والآخرة

أمّا الاستخدام الثالث لمفردة: «الدنيا» والذي تُذكر فيه بالذمّ فهو يراد به التعلّق بها. فعندما يُقال إنّ فلاناً من الناس قد صارت الدنيا كلّ همّه وانحصرت فيها جميع أهدافه ومقاصده، وأنّه لم يعد يقيم للآخرة وزناً بل نسيها أو أنكرها، فهذا هو التعلّق المذموم بالدنيا، الذي يعبَّر عنه بطلب الدنيا وحبّها والانشداد لها والذوبان فيها، والذي هو محطّ ذمّ، والذي غالباً ما عبّر عنه القرآن الكريم بتعبير «إرادة الدنيا»، كقوله تعالى: «مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَـٰهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً»[20]، «فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الْحَيَوٰةَ الدُّنْيَا * ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ»[21]. فالمتعلّقون بهذه الدنيا هم اُناس جُهّال قد نسوا الحياة الأبديّة وتخيّلوا أنّ هذه الحياة القصيرة العابرة المليئة باللعب واللهو والاعتبارات الدنيويّة هي كلّ شيء. فالتعلّق بالدنيا والانشداد لها هو المذموم، وليست الحياة الدنيا نفسها. فمن حيث إنّه باستطاعة هذه الحياة أن تؤمّن لنا السعادة الأبديّة فإنّها نفيسة للغاية؛ بالضبط كحزمة الأوراق المالية التي وإن كانت مجرّد ورق بيد أنّه يمكننا شراء أشياء قيّمة ونفيسة بها وهي – لهذا – قيّمة بالنسبة لنا. فإذا نظرنا إلى الدنيا من هذه الزاوية فسوف نجد أنّها ليست غير مذمومة فحسب، بل هي نعمة عظمى منّ الله بها علينا، ولولا هذه النعمة لما بلغ أولياء الله الكمال ولما استحقّوا الأجر والثواب. فسوء الدنيا ينبع من تعلّق قلوبنا بها وتضحيتنا بالآخرة في سبيلها وصيرورتنا مريدين لها. «مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا»[22]؛ أي: من كان يريد زراعة هذه الدنيا فسنعطيه نفس النتيجة التي تعلّق قلبه بها ثمّ إنّه لن يجني في الآخرة شيئاً: «ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَـٰهَا مَذْمُوماً مَّدْحُوراً» بل وسيدخل جهنّم مدحوراً ذليلاً. لكنّه: «مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ»؛ فمن أراد زراعة الآخرة فسنبارك له في زراعته ونزيده منها.

بناءً على ما تقدّم فإن لمصطلحَي «الدنيا» و«الآخرة» ثلاثة استخدامات: الأوّل بيان الخصوصيّات الوجوديّة للعالم الذي نعيش فيه اليوم في مقابل العالم الذي يخلقه الله تبارك وتعالى بعد فناء الأوّل وتلاشي نظامه وهو عالم باقٍ ليس للفناء سبيل إليه. والثاني يعني جانباً من حياة الإنسان الذي يتمتّع بحياتين؛ حياة هي في هذا العالم في مقابل حياة اُخرى تكون في العالم التالي. والثالث: التعلّق بهذا القسم من الحياة. وكأنّ هذا المعنى كان في الأساس موصوفاً ثمّ حُذف؛ مثل «حبّ الدنيا» أو «إرادة الدنيا». وكما أسلفنا من أنّ «الآخرة» هي صفة حلّت محلّ موصوفها، فإنّ «الدنيا» أيضاً هي صفة تمّ تناسي موصوفها تدريجيّاً فحلّت هي محلّ الاسم. فذمّ الدنيا أخلاقيّاً يرجع في الواقع إلى موصوف خفيّ في بواطننا، ألا وهو التعلّق بالدنيا. فالحياة في هذه الدنيا بمعزل عن هذا التعلّق محبَّذة وقيّمة، لأنّها نعمة عظيمة قد أسبغها الله علينا كي نزيد بواسطتها في علمنا وكمالنا ونكتسب بسببها الأجر والثواب لآخرتنا. فالذمّ هو للتعلّق بالدنيا والانخداع بها وإحلالها محلّ الآخرة، وجعل الوسيلة محلّ الغاية. ومن هنا فإنّها تُعرَّف بعبارة: «مَتَاعُ الغُرُورِ»[23].

الإيمان بالآخرة هو الأساس في تقييم سلوكيّات الإنسان

الآخرة التي ينغبي لنا الإيمان بها هي الحياة النهائيّة بعد الموت التي سنُثاب أو نُعاقب فيها على أعمالنا. وحتّى من الناحية القيميّة فلابدّ أن تصغُر الدنيا جدّاً في أعيننا؛ لأنّ الهدف ينحصر في ذلك العالم وانّ عالم الدنيا برمّته لا يساوي حتّى رمشة عين في مقابل عمر يستمرّ ألف عام. فالآخرة لا نهاية لها أمّا الدنيا فمتناهية. بالطبع إنّ علينا – في مقام التقييم – أن نقدر هذه الدنيا حقّ قدرها، إذ انّ ما لا نهاية له من السعادة لا يتسنّى اكتسابه إلاّ من خلال هذا العمر الدنيويّ القصير الذي لا يعدو كونه لعباً ولهواً. فإذا تعلّقت قلوبنا بهذه الدنيا وصار هذا التعلّق عقبةً أمام السير نحو الآخرة، فنحن خاسرون. وعلى هذا الأساس يقول مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام): «ولَدنياكم أهون عندي من ورقةٍ في فِيّ جرادة تقضمها وأقذر عندي من عُراقَة خنزير يقذف بها أجذَمُها»[24]؛ أي: أقذر من عظم خنزير ميّت في يد شخص مصاب بالجذام. أمّا إذا أنفق عمر هذه الدنيا في العبادة فإنّ كلّ لحظة فيها أثمن عند عليّ من مُلك آلاف من سنين الدنيا، بل إنّه لا يبيع حتّى ثانيةً واحدة منها بكلّ زخارفها.

نقول ذلك لنعلم ما الذي ينبغي لنا أن نسعى وراءه في مقام العمل وتقييم الاُمور وتحديد الهدف في حياتنا. فلابدّ أن يكون همّنا هو حثّ الناس على عدم نسيان الآخرة. فإنّ جميع الأنبياء قد جاءوا لإثبات أمرين هما الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر. ونحن من دون هذه المعتقدات سنمسي أخسّ حتّى من الحيوانات. يقول جلّ وعلا في كتابه العزيز: «إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ فَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ»[25]. فقيمة الإنسان هي بإيمانه بالله واعتقاده باليوم الآخر. ومن هنا فلابدّ أن نحمل هذا الهمّ وهو أنّ لا ندع الناس يضلّون عن عقيدتهم وينسون أنّه ثمّة حياة آخرة، وأنّها هي الهدف، وأنّ هذه الدنيا هي مجرّد وسيلة.

إنّ مسألة الاعتقاد باليوم الآخر كانت أهمّ ما أكّد عليه الأنبياء، وانّ قوام إنسانيّة الإنسان وفهمه الصحيح وقيمة معرفته تكمن في الإيمان بأنّ عالم الآخرة هو القسم الأساسيّ من حياة الإنسان وأنّ الحياة الدنيا بالنسبة لذلك العالم هي أشبه ما تكون بالمرحلة الجنينيّة. فالقرآن الكريم يقول: «إِنَّ الدَّارَ الآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ»[26]. فالحياة أساساً هي هناك. فحتّى الكافر يقول يوم القيامة: «يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي»[27]؛ أي: ياليتني فكّرت بحياتي وقدّمت لها شيئاً! ففي مثل ذلك اليوم يلتفت الكافر إلى أنّ ما مضى في الدنيا لم يكن حياةً، بل موتاً بطيئاً، أمّا الحياة الحقيقيّة فهي هنا.

إنّ العمود الفقريّ لجميع الأديان هو الاعتقاد بالتوحيد والمعاد. وهذا هو أساس جميع القيم وإنّ سلوكيّات جميع الناس تتشكّل وتُقيَّم على أساس هذه العقيدة، وهي العقيدة التي ينبغي لكلّ مسلم أن يكون همّه الأوّل هو صيانتها والحفاظ عليها.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين 


[1]. إرشاد القلوب، ج1، ص204.

[2]. سورة الحديد، الآية 3.

[3]. سورة النمل، الآية 89.

[4]. سورة القصص، الآية 77.

[5]. سورة العنكبوت، الآية 20.

[6]. سورة الليل، الآية 13.

[7]. سورة الإنفطار، الآية 2.

[8]. سورة التكوير، الآية 2.

[9]. سورة القيامة، الآية 9.

[10]. سورة التكوير، الآية 1.

[11]. سورة طٰه، الآيتان 106 و107.

[12]. سورة الحديد، الآية 21.

[13]. سورة الروم، الآية 43.

[14]. سورة التكوير، الآية 6.

[15]. نهج البلاغة، الحكمة 131.

[16]. سورة الحديد، الآية 20.

[17]. سورة الروم، الآية 54.

[18]. سورة «المؤمنون»، الآية 101.

[19]. سورة النساء، الآية 77.

[20]. سورة الإسراء، الآية 18.

[21]. سورة النجم، الآيتان 29 و30.

[22]. سورة الشورى، الآية 20.

[23]. سورة آل عمران، الآية 185، وسورة الحديد، الآية 20.

[24]. بحار الأنوار، ج40، ص348.

[25]. سورة الأنفال، الآية 55.

[26]. سورة العنكبوت، الآية 64.

[27]. سورة الفجر، الآية 24.

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org