قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

(48)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 23 تموز 2014م الموافق لليلة السادسة والعشرين من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

علاقة المحبّة بين العبد والمعبود

«دعاؤُهم عندَ اللهِ مرفوع، وكلامُهُم مسموع، تَفرحُ الملائكةُ بهم، يدورُ دعاؤهُم تحتَ الحُجُب، يحبُّ الربُّ أن يسمعَ كلامَهُم كما تحبُّ الوالدةُ ولدَها، ولا يشغَلُهم عنِ اللهِ شيءٌ طرفَةَ عين»

عناية الله بحديث أهل الآخرة

دار كلامنا في المحاضرات الفائتة حول خصوصيّات أهل الدنيا وأهل الآخرة الواردة في حديث المعراج القدسيّ. وإنّ من أوصاف أهل الآخرة التي يذكرها جلّ جلاله في الحديث هي: «دعاؤُهم عندَ اللهِ مرفوع، وكلامُهُم مسموع». وإذ كنّا قد نوّهنا فيما سبق بأنّ كلّ صفة من صفات أهل الدنيا هي مقابلة لصفةٍ عند أهل الآخرة، فإنّ المفهوم من ظاهر الوصف المبيَّن لأهل الآخرة في هذا المقطع أنّ كلام أهل الدنيا غير مسموع عند الله عزّ وجلّ. لكنّنا نعلم، من جانب آخر، أنّ من صفات الباري تعالى أنّه يعلم بكلّ شيء، ويسمع كلّ مسموع، ويرى كلّ مرئيّ، فكيف يمكن إذن أن لا يسمعَ سبحانه صوتاً ما؟ ومثل هذا السؤال يُطرح أيضاً فيما يتعلّق بنظر الله إلى عباده المطيعين وعدم نظره إلى الكفّار وأهل المعصية.

لعلّ من أشدّ ألوان العذاب التي تحيق بالكفار يوم القيامة، بحسب القرآن الكريم، هو ما جاء في قوله تعالى: «وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»[1]. لكنّ السؤال الذي يتبادر إلى الذهن حول هذه الآية هو: أنّى للكّفار أن يغيبوا عن نظر الله عزّ وجلّ وهو الذي عِلمُه ذاتيّ، وكلّ شيء حاضر أمامه، وما من شيء يغيب عنه؟

أجاب البعض على نظائر هذه الاستفسارات بأنّ المقصود من النظر والسمع هنا هو ذلك الذي يحصل منه الأثر المطلوب، ذلك أنّه ليس كلّ سمع أو نظر بِمُنتهٍ إلى فائدة. فلتتصوّروا شخصاً لا يحفَل بكلام غيره حتّى وكأنّه لا يسمعه وهو يبغي بذلك إهانته والاستخفاف به. فليس أنّ صوت ذلك الشخص لا يصل إلى أذنه، بل إنّه لا يلتفت إليه ويقال هنا: إنّه لم يسمع كلامه. وعلى العكس، إذا اعتنى المرء بشخص عناية خاصّة التفت إلى قوله وأصغى إليه بدقّة. وهذا الاستماع غير ذاك السماع ووصول الصوت إلى الأذن، فهو سماع تحصل منه نتيجة.

بناءً عليه فإنّ المراد من العبارة المساقة في هذه الفقرة من حديث المعراج هو أنّ الله عزّ وجلّ يرتّب الأثر على كلامهم، فيستجيب دعاءهم، ويجزيهم عن كلامهم الطيّب ثواباً. وفي المقابل، وبحسب بعض الأخبار، فإنّ دعاء بعض المذنبين، وبسبب ما اجترحوا من المعاصي وكفَروا به من النعم، يُرَدّ عليهم ويُضرب على رؤوسهم، أي إنّه لا يصل إلى المقام الذي يكون فيه مسموعاً ومُنتجاً للأثر المطلوب.

فرح الملائكة بكلام أهل الآخرة

ثمّ يأتي الحديث على ذكر أمر مثير للعجب يشقّ علينا إدراك كُنهه، وهو حينما يقول سبحانه وتعالى: إذا دعا أهل الآخرة فرحَ الملائكةُ من سماع أصواتهم. وفوق ذلك: إذا بلغ دعاؤهم العرش والكرسيّ دارَ تحت ما يوجد هناك من الحُجُب، وإنّ الله يُسَرّ بسماع أصوات هؤلاء العباد. وشبيه بهذا ما جاء في بعض الروايات من أنّ العبد الذي يحبّه الله إذا دعا ربّه لحاجة لم يقضِ الله له حاجتَه من فوره وذلك من أجل أن يلحّ أكثر في الدعاء فيسمع الله صوته: «إنّ العبد لَيدعو الله وهو يحبّه فيقول لجبرئيل: اقض لعبدي هذا حاجتَه‏ وأخّرها فإنّي أحبّ أنْ لا أزال أسمع صوته»[2].

ثمّ يعرّج الحديث، متابعةً للموضوع، على تشبيهٍ يدعو المرء إلى المزيد من التعجّب والاستغراب، وذلك حينما يشبّه اللهَ سبحانه وتعالى بالأمّ التي تحبّ ولدها وتفرح بسماع صوته، حينما يقول: «كما تحبُّ الوالدةُ ولدَها»!

إنّ إدراك مفاهيم هذه الأوصاف فيما يتّصل بالله تعالى تتخّطى حدّ فهم ابن آدم، اللهمّ إلاّ إذا بلغ مقاماً يشاهد فيه هذه الصفات وتجلّياتها بنفسه. على أنّ الله عزّ وجلّ، ومن أجل رفع مستوى فهم عباده وحثّهم على معرفته أكثر، يخاطبهم بلغة يفهمونها. فتارةً يقول: «لَيسَ كَمِثلِهِ شَيْءٌ»[3]. بمعنى: على الرغم من إمكانيّة العثور على صفات لدى بني آدم شبيهة بتلك المذكورة لله تعالى، إلاّ أنّه ما من مخلوق يشبهه سبحانه. لكن من حيث إنّ الألفاظ والمفاهيم لا تتّسع لأزيد من استيعاب فهم الإنسان فإنّه لا مناص من الإفادة من نفس هذه الألفاظ لبيان صفات الله تعالى، وإنّنا نحاول تدارك هذا الضعف عبر تنزيه الله عزّ وجلّ من أوجه النقص. فهو عالِم، لكّن علمه ليس كعلمنا، وهو قدير، بيد أنّ قدرته ليست في عضلات ساعده المفتولة. وإنّ من صفات الله السلبيّة التي ينبغي لنا جميعاً الاعتقاد بها هو أنّ صفاته ليست زائدة على ذاته، بل هي عين ذاته، فما بالك بكون أفعاله زائدة على ذاته!

وقد يظنّ البعض أنّ غضب الله الوارد في بعض التعابير القرآنيّة كقوله: «وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ»[4] يشبه غضب الإنسان في احمرار الوجه وانتفاخ الأوداج وارتفاع الصوت! وجميعنا يعلم طبعاً أنّ حالات من هذا القبيل لا تليق بشأن مقام الألوهيّة، لكن لابدّ، بشكل من الأشكال، من بيان تفاوت سلوك الله جلّ وعلا تجاه أعمال عباده الحسنة والقبيحة.

التعبير الآخر الذي يتطلّب توضيحاً أكثر هو قوله تعالى: «فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ»[5]. وتُستعمل كلمة «آسَفَ» إذا انزعج المرء غاية الانزعاج من سلوك قبيح غير لائق صدر من غيره. والتبرير العامّ لاختلاف هذه الصفات بين الله عزّ وجلّ والبشر يكمن فيما جاء في القرآن الكريم تحديداً كقوله تعالى: «لَيْسَ كَمِثلِهِ شَيْءٌ»[6]. ولعلّ من أروع ما جاء في الروايات والأدعية في تنزيه الله تبارك وتعالى من وجوه نقص الصفات المستخدَمة بشكل مشترك بين الله ومخلوقاته هو ما ورد في دعاء عرفة: «إلهي تَقدَّسَ رضاك أن تكون له علّةٌ منك فكيف يكون له علّةٌ منّي»[7]. فقد نحسَب أحياناً أنّنا قد أرضَينا الله عنّا بما جئنا به من فعل. وتحليل مثل هذا التصوّر هو أنّ الله سبحانه قد وقع تحت تأثير فعلنا وانفعلَ به. لكنّ قولاً كهذا لا ينسجم مع التوحيد. إذ يقول سيّد الشهداء (صلوات الله عليه) في المقطع المنقول من دعاء عرفة: إلهي، إنّ رضاك أكبر من أن تُحدِث أنتَ علّةً له. فحتّى لو أوجد اللهُ نفسُه علّةً لرضاه كان الرضى الحاصل معلولاً لهذه العلّة وحالةً انفعاليّة، والحال أنّ الرضى ليس بأمر خارجٍ عن ذات الله كي توجِدَه علّةٌ، حتّى وإن كان الله نفسُه هو الموجِد لها. «إلهي تَقدَّسَ رضاك أن تكون له علّةٌ منك فكيف يكون له علّةٌ منّي»، أي إذا كانت الحال هذه فكيف يكون فِعلي هو العلّةُ لرضاك؟!

تحليلٌ لاستخدام الأوصاف البشريّة للذات الإلهيّة

في ميسورنا القول - إجمالاً - فيما يتعلّق بهذه الأوصاف: إنّ بعض المفاهيم هي معانٍ إضافيّة تُتَّخذُ لموجودَين. فإذا كان أحدُ طرفي النسبة هو الله الذي ليس له حالات متعدّدة، جُعلَت التغيّرات النسبيّة للطرف المقابل لكونه مخلوقاً وخاضعاً للتغيُّر. فإذا قيل، مثلاً: «وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ»[8] فالكلام في اختبار العباد هنا من قبل الله تعالى، ليعلم أيّهم أهل جهاد وأيّهم أهل ضعف وقعود، لا يعني حدوث العلم لله، فإنّ علمَه عزّ وجلّ ذاتيّ قديم، بل يعني أنّ علم الله من حيث إنّه منتسب إلى هذا المخلوق فهو حادث. وتندرج في هذا السياق أوصافٌ مثل «الرضى» و«الغضب» أيضاً؛ فرضى الله عن أحد لا يعني حدوث حالة جديدة في ذات الباري تعالى، بل إنّ ما بين الله وهذا الشخص من نسبة قد تغيّرت باعتبار كون الأخير متغيّراً.

ويتعيّن القول، على الرغم من هذه التبريرات، إنّ التعابير الحاكية عن سموّ محبّة الله لعبده على حبّ الأمّ لولدها، أو المبيّنة لشدّة شوقه عزّ وجلّ لسماع صوت المؤمن هي تعابير قاصرة لا تُفصح عن حدود ونطاق محبّة الله جلّ شأنه.

وشبيه بهذا المعنى ما نجده في حديث عن الباقر (عليه السلام) في باب التوبة يقول فيه: «إنّ الله تعالى أشَدُّ فرحاً بتوبةِ عبدهِ من رجلٍ أضلَّ راحلتَهُ وزادَه في ليلةٍ ظلماءَ، فوجدها؛ فاللهُ أشدُّ فرحاً بتوبة عبده من ذلك الرجل براحِلَتِه حين وجدها»[9]؛ أي إنّ الله عزّ وجلّ أشدّ فرحاً بتوبة عبده العاصي من فرحة الرجل إذا وجد زاده وراحلته بعد أن ضاعا منه في ليلة ظلماء حتّى أشرف على الهلاك. فهل الله تعالى بحاجة إلى توبة عبده المذنب؟!

والتحليل الذي يمكن تقديمه في هذا الصدد هو أنّه لابدّ لنا من التنبّه إلى أمر كمبدءٍ وأصل وهو أنّه ليس لأيٍّ من كمالات الله حدّ تنتهي عنده؛ فلا نهاية لرحمته عزّ وجلّ، بحيث إنّه – على حدّ قوله تعالى – لو وَزّع كلّ ما خلقَ في الجنّة لجميع أهلها من النعم على كلّ عبد من عباده لم تنقص خزائنه مثقال ذرّة، فخزائن رحمته لا نفاد لها وهي لا تنقص مهما أُخذ منها. هذا هو المفتاح الأصليّ لحلّ مثل هذه المسائل. فالله يحبّ ذاته حبّاً لا نهاية له لأنّ كمالاته لا نهاية لها، وهو يحبّ آثاره كذلك، إذ قد سبق القول بأنّ هاتين المحبّتين لا انفصام لهما، وهذا شبيه بحبّنا نحن لآثارِ مَن نُحبّه. فمع أنّ الآثار ذاتها محدودة، إلاّ أنّ ارتباطها مع الله غير محدود، وليس ثمّة من قصور في عناية الله ولطفه ورحمته لها. على أنّ الآثار والمخلوقات أوعيتُها محدودة، ولهذا ففي مقدور الله أن يهب كلّ إنسان كلّ ما في الجنّة من أنعُم لا نهاية لها دون أن ينقص مِلكُه قيد أنملة، هذا على الرغم من أنّ وعاء الإنسان لا يتّسع لهذه النعمة غير المتناهية. وعلى المنوال نفسه، فليس جزافاً أن نقول إنّه لا نهاية لاشتياق الله لتوبة عبده؛ إذ لا محدودية من جانب الله عزّ وجلّ، وكلّ نقص في هذا المضمار فهو من جانب العبد.

فإنّ لنا إلهاً كهذا، إلهاً يحبّ المذنبين إلى هذا الحدّ، ويفرح لتوبتهم وأوبتهم أشدّ من فرح ذاك المسافر بلُقيا مائِه وزاده وراحلته بعد ضياعها. والغرض من استخدام هذه الأمثلة والمفاهيم هو كشف جانب من عظمة لطف الله ورحمته لنا، على أنّ أيّاً منها لا يؤدّي حقّ الموضوع كما هو، فعظمة كهذه لا يمكن بيانها. فهل سيبقى في قلب المرء أثر لمحبّة غير الله إذا تبلور لديه تصوّرٌ - ولو ناقص - لهذه العظمة، خصوصاً وأنّ الله غنيّ كلّ الغنى عن عبده؟

لا يصحّ أن ننسى الله

فالله عزّ وجلّ، ولبيان لطفه ورحمته لمخلوقاته، يسوق مثل هذه التعبيرات كي نستأنس قليلاً بأمثال هذه المفاهيم، فنزداد معرفة به وإقبالاً على طاعته. وإنّ من بين عباد الله تبارك وتعالى مَن بلغ هذا المقام، وهو كلّما دعا ربّه قال الله لملائكته: أخّروا إجابة دعوته كي أُطيل الاستماع إلى صوته وأُسَرّ به، بل إنّ الملائكة هي الأخرى تبتهج وتفرح لدى الإصغاء لصوت هؤلاء العباد وتفتخر بهم: «تَفرحُ الملائكةُ بهم». أيّ عباد هؤلاء؟ إنّهم الذين: «لا يشغَلُهم عنِ اللهِ شيءٌ طرفَةَ عين».

إنّ بعض بني البشر يُفسد في الأرض، وإن الملائكة لتشكوا لربّها فسادَه قبل خلقِه: «أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا»[10]، كأولئك الذين أحرقوا «صبرا وشاتيلا»، وسفكوا دماء الأطفال والنساء الأبرياء. غير أنّ الله يعرف من بين هؤلاء البشر أناساً لا تعلمهم الملائكة: «إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُون»[11]. فمن بين مليارات من الأراذل المنحطّين من الناس ممن تعلّقت قلوبهم بزخرف الدنيا وزبرجها، يوجد أُناس لا يغفلون عن الله طرفة عين «لا يشغَلُهم عنِ اللهِ شيءٌ طرفَةَ عين»، و«رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّه»[12]. أَوَيمكن ذلك؟!

لقد أثبتت التجارب العلميّة وتجارب علماء النفس أنّ باستطاعة الإنسان أن يدرك سبعة أمور، بل قال بعضهم ثمانية، في آنٍ واحد. ففي الوقت الذي يسمع فيه ويرى يمكنه أن يلمس شيئاً، ويشمّ رائحة، ويتذوّق طعاماً، ..الخ. على أنّ هذا يعني تقسُّم التفاته على ثمانية أمور مختلفة. فلربما لا يستطيع المرء، إذا ركّز على أمر واحد، أن يلتفت إلى سائر ما حوله. فالذي يطالع كتاباً مثلاً لا ينتبه إلى الضوضاء المحيطة به. فالإنسان في الوقت الواحد يستطيع أن يركّز على أمر واحد بشكل كامل، ويتناقص هذا التركيز بمقدار التفاته إلى أمر آخر. بل لقد ورد في الخبر أنّ الله قد يتجّلى لعباده الصالحين في الجنّة فيجلب انتباههم إليه بحيث يذهلون معه عن كلّ شيء. وإنّ هذا النمط من الالتفات إلى الله والتركيز عليه محال في هذا العالم. فحينما قال موسى (عليه السلام) لربّه: «رَبِّ أَرِني‏ أَنْظُرْ إِلَيْكَ»، أجابه ربّه: «لَنْ تَرَانِي»[13]، ذلك أنّ هذا العالم لا يستوعب رؤية الله تبارك وتعالى. ومن أجل أن يُثبت تعالى لموسى (عليه السلام) ذلك قال له: «وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي»، فإن تحمّل الجبل بعض التجلّي رأيتَني أنت أيضاً. غير أنّ الله عندما تجلّى للجبل اندكّ الأخير وخرّ موسى (عليه السلام) مصعوقاً: «فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقاً».

فالله الذي خلقنا ويعلم بأوعيتنا قد طلب منّا أن نبذل جهدنا كي لا ننساه في كلّ حال. ومن الواضح أنّ الالتفات والتركيز الكامل في كلّ حال ليس ممكناً بالنسبة لنا في هذا العالم، ولذا فهو تعالى لم يطلب منّا مثل هذا التركيز، بل هو يتوقّع منّا أن نخصّص، أثناء انشغالنا بأعمالنا، بعضَ انتباهنا له عزّ وجلّ. إذ يقول الله سبحانه للطبقة العاديّة من الناس: «اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً»[14]، ويخاطبهم في موطن آخر: «فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ ءَابَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً»[15]، وكذا في الأحاديث الشريفة فإنّه لم يُطلَب منّا ما لا طاقة لنا به. والمراد هو أن نتمرّن على حبّ الله وذكره بمقدار ذكر المرء لمن يحبّ والتفاته روحيّاً إلى محبوبه حتّى في خِضَمّ انهماكه في سائر أعماله. ونتيجة لهذا التمرين ستنشأ لنا تدريجيّاً مع الله في كل نواحي حياتنا آصرة وإن كانت ضعيفة وباهتة، وسوف لا ننساه ولا نغفل عنه مع كل حادثة تافهة. وإنّ عباد الله الذين يجتهدون للوصول إلى هذه المرتبة هم الذين يحبّهم الله جلّ وعلا، ويشتاق لسماع أصواتهم، الأصوات التي تفرح الملائكة أيضاً لسماعها.

نسأل الله ببركة أوليائه أن ينيلنا جميعاً نفحة من معرفتهم.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين



[1]. سورة آل عمران، الآية 77.

[2]. وسائل الشيعة، ج7، ص63.

[3]. سورة الشورى، الآية 11.

[4]. سورة النساء، الآية 93.

[5]. سورة الزخرف، الآية 55.

[6]. سورة الشورى، الآية 11.

[7]. إقبال الأعمال، ج1، ص349.

[8]. سورة آل عمران، الآية 142.

[9]. الكافي، ج4، ص231.

[10]. سورة البقرة، الآية 30.

[11]. سورة البقرة، الآية 30.

[12]. سورة النور، الآية 37.

[13]. سورة الأعراف، الآية 143.

[14]. سورة الأحزاب، الآية 41.

[15]. سورة البقرة، الآية 200.

 

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org