قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

(7)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 15 كانون الثاني 2014م الموافق للثالث عشر من ربيع الأول 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

آثار المحبّة

المحبّة وآثارها

 

إنّ للمحبة آثاراً وإنّ كلّ محبّ يفهم فطريّاً ما الذي يجب عليه صنعه تجاه المحبوب. إذ من جملة ما يرغب فيه المحبّ هو فعل ما يُرضي المحبوب وما يجعله يحبّه. وكما قد مرّت الإشارة إليه مسبقاً فإنّ العلاقة بين المحبّة وآثارها هي علاقة متصاعدة ثنائيّة الجانب؛ فالمحبّة – من ناحية – هي منشأ لآثارها، ولابدّ من المحبّة لظهور هذه الآثار، ومن ناحية اُخرى فطالما أنّ هذه الآثار هي أفعال اختياريّة فإنّها نفسها تبعث على ازدياد المحبّة أيضاً.

ومن جملة آثار المحبّة هي مناجاة المحبوب. إذ أنّ المحبّ يسعى دوماً إلى اغتنام الفرصة لإظهار محبّته لمحبوبه. وهذا الأمر يصدق أيضاً على الله سبحانه وتعالى، فإن كانت هذه المحبّة عن صدق فستظهر هذه الآثار بشكل من الأشكال. وإنّ ظهور الأخيرة يؤدّي إلى نموّ المحبّة، وهكذا تنشط هذه العلاقة المتصاعدة المتناوبة في هذا المورد أيضاً. فكلّما بالغ العبد في القيام بلوازم الحبّ، زادت المحبّة، وكلّما ازدادت المحبّة، تضاعفت رغبة العبد في توطيد الصلة ببارئه أكثر.

آثار المحبّة في نظر الروايات

تؤكّد الأحاديث الشريفة على قضيّة أنّ محبّة الله تقتضي أن تنتاب العبدَ حالةٌ من الخشوع وذرف الدموع والمناجاة معه سبحانه. وقد تضمّنت رواية قرأناها في إحدى المحاضرات الماضية هذا المعنى؛ وهو كيف أنّ الله قد أوحى إلى أحد الصدّيقين بأنّ: لي عباداً يحبّونني وأحبّهم وأنّهم يحنّون أثناء النهار إلى غروب الشمس حتّى إذا جنّ عليهم الليل هرعوا إلى مناجاتي[1].

وفي خبر آخر يوحي الله عزّ وجلّ لنبيّه موسى (عليه السلام) فيقول له: «يا ابن عمران! هَبْ لي من عينك الدموع، ومن قلبك الخشوع، ومن بدنك الخضوع، ثمّ ادعُني في ظُلَم الليل تجدني قريباً مجيباً»[2]. وبناءً على هذه الرواية فإنّ الله جلّ وعلا ينصح موسى (عليه السلام) بثلاث نصائح: الاُولى هي: إن كنتً تحبّني ﻓ «هَبْ لي من عينك الدموع»! إذ أنّ ممّا يحبّه المحبّ هو تقديم هديّة إلى محبوبه. والثانية: «ومن قلبك الخشوع»؛ أي كن خاشع القلب مكسورَهُ تجاهي. والثالثة: «ومن بدنك الخضوع»؛ فينبغي - من بعد خشوع القلب - أن يكون بدنك خاضعاً لي. وفي خطاب لنبيّه عيسى (عليه السلام) يستخدم الله تعالى لفظة «تُبَصبِص» فيقول: «واعلم أنّ سروري أن تُبَصبِص إلَيّ»[3]. فإنّ للكلب – على الرغم من كونه نجس العين – صفاتٍ هي غاية في الروعة حتّى أنّ بعض الروايات تنصح بتعلّمها منه. فمن هذه الصفات – مثلاً - سجيّة الوفاء. كما أنّ من صفات الكلب الاُخرى هي منتهى الخضوع في مقابل صاحبه؛ فهو يمرّغ وجهه في التراب أمام صاحبه، ويحرّك ذنَبه، ويحوم حوله. ويقال لحالة الكلب هذه «تَبَصبُص». وإنّ تأكيد الأحاديث على تمريغ الوجه بالتراب بعد سجدة الشكر إنّما هو تجسيد لحالة التبصبص هذه. بالطبع إنّ الله عزّ وجلّ لا يشكو من نقص كي يتداركه بإظهار الخضوع والعبادة له أو من خلال البكاء والمناجاة بين يديه. فالإمام الحسين (عليه السلام) يخاطب الله تعالى في دعاء عرفة قائلاً: «إلهي تقدّس رضاك أن تكون له علّة منك فكيف يكون له علّة منّي»[4]؛ أي: إلهي! إنّ رضاك أسمى من أن توجِد له أنت العلّة، فكيف لي أنا أن أفعل ما يكون سبباً في رضاك عنّي. فأيّ شيء هو أنا وما الذي أملك كي أفعل ما يُحدِث تغييراً في حالك فاُرضيك؟!

ولابدّ أن نذكر هنا أنّ عبارة: «ابتغاء مرضاة الله» وأنّ الله يمكن إرضاؤه هي عبارة صحيحة، لكنّ حقيقتها هي أسمى وأرفع ممّا نظنّ، فإنّ رضى الله ليس معلولاً لعملنا نحن. فمن كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) قوله: «الذي لم تسبق له حالٌ حالاً»[5]. فالله جلّ وعلا ليس بمتغيّر الحال؛ فلا حاله عزّ وجل يتغيّر، ولا أنّنا نكون علّة في إيجاد حالة له. فكلّ ما نملك نحن هو فقر محض، وليس لدينا شيء لنعطيه تعالى. لكنّ التعبير الذي يمكن أن نفهمه نحن فيما يتعلّق بالصلة مع الله وبهذه العبادات فهو أن نفعل ما يجعل الله مسروراً. ومعنى هذا الكلام هو أنّه: ما دام كمالك في هذه الاُمور، فإنّ الله يحبّها، وإلا فما من نفع يصل إلى الله منها. وعندما يقول البارئ عزّ وجلّ لموسى (عليه السلام): «هَبْ لي من عينك الدموع»، فلا يعني ذلك أنّ الله هو بحاجة إلى دموع عيوننا، بل إنّ كمالنا هو في أن نتذلّل في مقابل ربّنا.

أقسام البكاء

1. بكاء الخوف

لا بأس أن نقدّم هنا بعض التوضيح حول كلامه تعالى: «هب لي من عينك الدموع».

إنّ تصوّرنا عن البكاء بين يدي الله وعبادته ومناجاته هو – عادةً – بكاء الخوف. فعندما يفكّر المرء بنار جهنّم وعذاب الآخرة الأليم ويتجسّدان أمام ناظريه تنتابه حالة من الخوف والخشية ممّا يدفعه إلى أن يسأل الله أن يتجاوز عن سيّئاته ولا يعذّبه. فهذا ما يتصوّره عامّة الناس بخصوص البكاء بين يدي الله تعالى. أمّا أولياء الله فإنّ بكاءَهم ليس محدوداً في هذا الضرب من البكاء، بل لعلّ الأخير هو أوطأ درجة من درجاته. بالطبع فإنّ مقام البكاء من شدّة الخوف هو – بحدّ ذاته – مقام سامٍ وقيّم، وهو مؤشّر على إيمان المرء بيوم القيامة وما فيه من وعد ووعيد، وأنّه لا يرى في تعابير القرآن الكريم والأحاديث الشريفة في هذا الخصوص مبالغة؛ كقوله تعالى: «خُذُوهُ فَغُلُّوهُ * ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ * ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً فَاسْلُكُوهُ»[6]؛ حيث يأمر الله ملائكته وزبانية جهنّم بأن يأخذوا هذا المذنب العاصي، ويغلّوه في سلسلة طولها سبعون ذراعاً[7] ثمّ يُسحَبُ إلى نار جهنّم. فهذا صريح القرآن الكريم. فعندما يجسّد المرء هذه الآيات في مخيّلته فإنّه يحدّث نفسه: إنّني لا اُطيق لمس مدفأة حتّى لِلَحظة، فكيف لي أن أتحمّل هذه النيران؟! بطبيعة الحال إنّ تصوّر الإنسان لهذه المضامين ومن ثمّ بكاءه بين يدي ربّه كي يخلّصه من النار لهو أمر حسن جدّاً، لكن لا ينبغي أن نظنّ أنّ الأمر منحصر في هذه القضيّة.

2. بكاء الخسران

من ألوان البكاء الاُخرى هو ذلك الذي يكون عند الشعور بالخسران. ولا يدور الحديث هنا عن الخشية من العذاب وما يحصل في المستقبل، بل إنّ الإنسان يئِنّ ويذرف الدمع من شدّة الحسرة والعجز والفاقة. ولعلّ أفضل ما يمكن سوقه للتعبير عن هذه الحالة هو الإحساس بالخسارة. فإذا تجسّدت في مخيّلة الإنسان فكرة أنّه خسر عمره، وأنّه كان يملك ثروة وكان بإمكانه أن يصنع بها الكثير؛ ثروة تفوق قيمة كلّ ساعة منها مليارات المسكوكات الذهبيّة! فإذا فكّر الإنسان مليّاً وقال لنفسه: لقد كانت لي في أفضل أيّام حياتي - وهي أيّام شبابي، عندما كنت أتمتّع بالنشاط، والقوّة في الجسم، والاستعداد في الذهن، وسلامة الفكر والبدن – كانت لي ثروة كان بإمكاني جني أرباح طائلة منها. لكن أين أنفقتُها يا ترى؟ إذ لم تكن عديمة الربح لي فحسب، بل لقد ابتُليت الآن بضَعف في البدن، ولعلّ ذلك قد جرّ عليّ أمراضاً اُخرى أيضاً. والآن فقد خسرت هذه الثروة ولا أعلم كم ساُعَمِّر بعد الآن، بل وقد يأتي مَلَك الموت هذه الساعة فيقبض روحي! هذه هي حالة الخسران.

ولعلّكم شاهدتم في التقارير الرياضيّة كيف أنّ الخاسرين في السباق يبكون أحياناً. فرغم أنّ الخاسر بطل من الأبطال، لكنّه يستسلم للبكاء عندما يخسر النزال! فهذا النوع من البكاء لا يكون جرّاء الخوف من العذاب؛ إذ لا أحد ينوي ضربه مثلاً. هذا البكاء ناجم عن الشعور بالخسران؛ فهو يشاهد باُمّ عينيه كيف أنّه فرّط بثروته؛ فقد تمرّن لسنوات عديدة على أمل الفوز في هذا النزال لكنّه فشل. فمن الطبيعيّ أن تنهمر الدموع من مقلتيه. وهذا هو ضرب آخر من الدموع، ولعلّه يحظى بأهمّية أكبر من النوع الأوّل.

3. بكاء الحياء

النمط الآخر من البكاء هو عندما يتأمّل المرء قُبحَ خطيئته. فعندما يفكّر: أي شيء هو أنا، ومَن هو الله عزّ وجلّ؟ وكم تفضّل عليّ بنعمائه وترحّم عليّ برأفته. فكم أنا عديم الحياء إذ أعصي مثل هذا الربّ الذي أمرني ببعض الأوامر لا لشيء إلا لخيري ومصلحتي! فلا كلام في هذا النوع من البكاء عن التفريط بنعمة، بل القضيّة هنا هي: كم انّني دنيء وعديم الحياء! وهذا الشعور يفوق النمطين السابقين. فنحن نقرأ في الدعاء المرويّ بعد زيارة الإمام عليّ بن موسى الرضا (عليه السلام): «ربِّ إنّي استغفرك استغفار حياء»[8]. فهذه الحالة بالنسبة لاُولئك الذين يتمتّعون بمراتب أعلى من المعرفة هي أشدّ وأقسى. وإنّ قيمة هذه الدموع أكبر بكثير من تلك المذروفة خوفاً من العذاب. فالمسألة هناك هي خوف العذاب، وغاية المرء من البكاء هي أن لا يحيق به هذا العذاب، أمّا هذه الحالة فهي عبارة عن علاقة مباشرة مع الله يستحي فيها الإنسان من الله ذاته من دون أيّ واسطة.

4. بكاء المحبّين

أمّا هذا اللون من البكاء فهو خاصّ بالمحبّين والمشتاقين. فالذين يلِجون في وادي المحبّة تنتابهم منذ البداية حالة المناجاة والتضرّع، وتعذّبهم لوعة الفراق، فتجري – لذلك - دموعهم على وجناتهم. وإنّ من أبلغ الجُمَل المعبّرة عن هذه الحالة هو هذا المقطع من دعاء كميل بن زياد، حيث يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): «فهبني يا إلهي وسيّدي ومولاي وربّي صبرتُ على عذابك فكيف أصبر على فراقك»[9]؟!

ينقل المرحوم الصدوق في كتابه «علل الشرائع» عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) أنّه قال: «بكى شعيب (عليه السلام) من حبّ الله عزّ وجلّ حتّى عَمِي، فردّ الله عزّ وجلّ عليه بصرَه. ثمّ بكى حتّى عمي، فردّ الله عليه بصره. ثمّ بكى حتّى عمي، فردّ الله عليه بصره. فلمّا كانت الرابعة أوحى الله إليه[10]: يا شعيب! إلى متى يكون هذا أبداً منك؟ [إلى متى تستمرّ في بكائك هذا] إن يكن هذا خوفاً من النار فقد أجَرْتُك، وإن يكن شوقاً إلى الجنّة فقد أبحتك. قال: إلهي وسيّدي! أنت تعلم أنّي ما بكيت خوفاً من نارك ولا شوقاً إلى جنّتك، ولكن عَقَدَ حبّك على قلبي فلست أصبر أو أراك [حتّى أراك]. فأوحى الله جلّ جلاله إليه: أما إذا كان هذا هكذا فمن أجل هذا ساُخدِمُك كليمي موسى بن عمران»[11]، فكان من نتيجة ذلك أن فرّ موسى (عليه السلام) من مصر وقَدِم إلى مَديَن ورأى بنتي شعيب فأقام هناك ثمانية أعوام أو عشر سنين. كان ذلك هو الأجر الذي أعطاه الله تعالى شعيباً في الدنيا وهو أن أخدمه نبيّاً من اُولي العزم كموسى (عليه السلام) ليرعى له غنمه. وهذا هو عين ذلك البكاء الذي طلب الله من نبيّه موسى (عليه السلام) أن يهبه إيّاه. والرواية التي تلوناها في المحاضرة الفائتة كانت بخصوص نفس هذا النمط من الأشخاص حيث يقول جلّ وعلا: «أنا خاصّة للمحبّين». فأشخاص كهؤلاء ليس لهم في ليلهم ونهارهم سوى الله، ولا تلهج ألسنتهم بغيره، يعيشون نهارهم منتظرين حلول الليل كي يعكفوا على عبادته. وعندها يقول عزّ وجلّ: «هَبْ لي من عينك الدموع، ومن قلبك الخشوع، ومن بدنك الخضوع، ثمّ ادعُني في ظُلَم الليل تجدني قريباً مجيباً»؛ فإذا دعوتني في جوف الليل فستجد أنّني قريب منك، وساُجيبك.

اللهمّ إنّنا نقسم عليك بحقّ مَن كانت قلوبهم رهن محبّتك، أن تتفضّل على قلوبنا القاصرة أيضاً بنفحة من هذه المعاني السامية!

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين 


1. بحار الأنوار، ج67، ص26، نقلاً عن «مسكّن الفؤاد» للشهيد الثاني.

2. إرشاد القلوب، ج1، ص93.

3. الكافي، ج2، ص502.

4. إقبال الأعمال، ص349.

5. نهج البلاغة، الخطبة 65

6. سورة الحاقة، الآيات 30-32.

7. أي: 35 متراً.

8. بحار الأنوار، ج99، ص55.

9. مفاتيح الجنان، دعاء كميل بن زياد.

10. طبعا إنّ هذا النمط من الحوار بين المحبّ والمحبوب يستبطن أسراراً، من جملتها أن نرويها أنا وأنتم فنقول: لقد كان مثل ذلك حقّاً، وإلا فإنّ الله عالِم بكلّ شيء وليس بحاجة إلى السؤال.

11. علل الشرائع، ج1، ص57.

 

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org