قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

 

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 21 أيار 2014م الموافق للحادي والعشرين من رجب 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

 

درجات محبّة أهل البيت (عليهم السلام)

21

 

 

محبّة الله ومحبّة الآخرين

لقد ذكرنا أنّ لمحبّة الله مراتبَ مختلفة وأنّها في مرتبتها النهائيّة تغمر قلب الإنسان تماماً ولا تذر لمحبّة غيره جلّ وعلا موطئ قدم: «أنت الذي أزلتَ الأغيار عن قلوب أحبّائك حتّى لم يحبّوا سواك»[1]. وهنا تتبادر الشبهة التالية إلى الذهن وهي: إذا كان الحال هذا فأين هو موضع حبّ أهل البيت (عليهم السلام) وأولياء الله والمؤمنين وغيرهم من الذين ورد الثناء على محبّتهم؟ وهل إنّ الواصل إلى المحبّة الكاملة لله تعالى لا يعود يحبّ رسول الله وأهل بيته (صلوات الله عليهم أجمعين)؟ وهل إنّه لا يعود يحسّ بالحبّ تجاه أبويه وأولاده وزوجه؟! وقد وصلنا في ردّنا على الشبهة المبيّنة أعلاه إلى النتيجة التي مفادها أنّ هذه الأنماط من المحبّة لا تتحقّق بشكل مستقلّ إذا اكتملت المحبّة لله، أمّا في المراتب الأقلّ كمالاً من محبّة الله، فمن الممكن أن تتحقّق تلك الأشكال من المحبّة بصورة مستقلّة ولا يتعيّن حينها إلاّ بذل الجهد لتغليب محبّة الله عليها؛ حيث يقول تعالى: «وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ أَشَدُّ حُبّاً للهِ»[2]. بالطبع حتّى المحبّة الكاملة التي يكنّها الإنسان لربّه لا تتنافى مع محبّته لأهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام) وهذا يرجع إلى كون الأخيرة هنا غير مستقلّة بذاتها وأنّها تُعدّ من شؤون محبّة الله تبارك وتعالى. وقد أشرنا مراراً وتكراراً إلى أنّ حقيقة المحبّة هي بحيث إنّ الأخيرة إذا تحقّقت سطع نورها على لوازم المحبوب وآثاره أيضاً. ومن حيث إنّ أهل البيت (صلوات الله عليهم أجمعين) ليسوا مستقلّين بحدّ ذاتهم، وإنّ كمالهم يكمن في كونهم عباداً كاملين لبارئهم، فإنّه بالإمكان حبّهم إلى جانب المحبّة الكاملة لله العليّ القدير. وهذا الحبّ الأوّل ليس فقط لا ينافي الحبّ الكامل لله عزّ وجلّ، بل إنّه مطلوب وواجب أيضاً.

حصّة المحبّة في ثمن الجنّة

جاء في الخبر عن أبي عبد الله جعفر بن محمّد عن أبيه (عليهما السلام) عن جابر بن عبد الله الأنصاريّ أنّه قال: «جاء أعرابيّ إلى النبيّ (صلّى الله عليه وآله) فقال يا رسول الله، هل للجنّة من ثمن [يدفعه الإنسان ليحصل عليها]؟ قال: نعم. قال ما ثمنها؟ قال: لا إله إلا الله، يقولها العبد الصالح مخلصاً بها» أي: كلمة التوحيد بشرط أن يقولها عبد صالح عن إخلاص. «قال: وما إخلاصها [كيف تكون عن إخلاص]؟ قال: العمل بما بُعثتُ به في حقّه، وحبّ أهل بيتي. قال: وحبّ أهل بيتك لَمِن حقّها»؟ أي إذا قلت لا إله إلا الله عن إخلاص واستوفيت العمل بالتوحيد فهل لابدّ من محبّة أهل بيتك أيضاً؟ «قال: أجل، إنّ حبّهم لأعظم حقّها»[3]، وذلك لقوله تعالى: «قُل لاّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ»[4]؛ فالأجر الحقيقيّ الذي طالب به النبيّ (صلّى الله عليه وآله) هو مودّة أهل بيته (عليهم السلام) ليس غير وهو في الواقع ثمن الجنّة. فقد أوجب النبيّ على الناس الاعتقاد بالجنّة في مقام التشريع، وفي مقام التكوين فإنّه هو (صلّى الله عليه وآله) من يقسّم الجنّة بين الناس. وهذا ما يفسّر كون أخيه عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) «قسيم النار والجنّة»[5]. من هذا المنطلق فإنّ محبّة أهل البيت (صلوات الله عليهم أجمعين) ليست فقط غير زائدة إلى جانب محبّة الله، بل إنّ الثانية لا تكتمل من دونها وإنّه من المتعيَّن على الإنسان أن يعرف هذا الحقّ ويؤدّيه لأهله.

لقد روينا في المحاضرة الماضية حديثاً عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) يقسّم فيه محبّي أهل البيت إلى ثلاث طوائف: فطائفة من الناس يحبّونهم بالسرّ والعلانية، وآخرون يحبّونهم بألسنتهم أمّا قلوبهم فمع غيرهم، وأمّا القسم الثالث منهم فيحبّونهم بقلوبهم لكنّهم يفتقدون همّة إظهار هذه المحبّة والسعي والمثابرة في هذا الطريق. وعند التأمّل في كلامه (عليه السلام) نكتشف أنّ هؤلاء الذين يُظهرون المحبّة ليسوا هم من محبّي أهل البيت في الحقيقة؛ فهم يتظاهرون بحبّ أهل البيت (عليهم السلام) لكنّ قلوبهم مع غيرهم، بل وإنّ سيوفهم قد تكون عليهم أيضاً. فهؤلاء هم كالمنافقين الذين يُظهرون الإيمان إذا اجتمعوا مع المؤمنين، أمّا إذا التقوا بأصحابهم فيقولون: لقد كنّا نستهزئ فقط: «وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ ءَامَنُواْ قَالُواْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إِلَىٰ شَيَاطِينِهِمْ قَالُواْ إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِءُونَ»[6]. وبناءً عليه فإنّ أصحاب هذه الطائفة ليسوا في الحقيقة من المحبّين، والـمَقْسَم في الرواية هم مُدّعُو المحبّة؛ وكأنّه (عليه السلام) يقول: المدّعون لمحبّتنا هم ثلاثة، فبعضهم منافق وهو لا يحبّنا حبّاً حقيقيّاً أبداً. وانطلاقاً من هذه الرواية فإنّ المحبّين الحقيقيّين لأهل البيت هم على صنفين؛ فصنف منهم تكون قلوبهم، بالإضافة إلى أيديهم وألسنتهم، مع أهل البيت (عليهم السلام)، أمّا الصنف الثاني فهم الذين قلوبهم فقط مع أهل البيت أمّا على مستوى العمل فلا يقدّمون أيّ تضحية في سبيلهم. بالطبع هناك من الروايات ما يقسّم محبّي أهل البيت إلى ثلاثة أقسام سنورد هنا نموذجين منها:

درجات الجنّة والنار

يروي أبو حمزة الثماليّ عن إمامنا زين العابدين (عليه السلام) أنّه قال: «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله): في الجنّة ثلاث درجات وفي النار ثلاث دركات»[7]. وهنا يقسّم (عليه السلام) درجات الجنّة والنار بشكل عامّ إلى ثلاثة أقسام. بالطبع لقد ذكرت بعض الأحاديث للجنّة سبعين درجة وذكر بعضها الآخر لها عدداً أكبر من الدرجات الفرعيّة أيضاً، لكنّها – من زاوية معيّنة – تقسّم بشكل عامّ إلى ثلاث درجات: «فأعلى درجات الجنّة لمن أحبّنا بقلبه ونصرَنا بلسانه ويده»؛ فأعلاها هي من نصيب اُولئك الذين قدّموا في سبيلنا التضحيات بأيديهم وأعمالهم مضافاً إلى حبّهم إيّانا بقلوبهم وإظهارهم لذلك على ألسنتهم. «وفي الدرجة الثانية مَن أحبّنا بقلبه ونصرنا بلسانه»؛ فالطبقة الوسطى من الجنّة هي من حصّة اُولئك الذين أحبّونا بقلوبهم وأظهروا حبّهم لنا بألسنتهم لكنّهم قصّروا بحقّنا على صعيد العمل. «وفي الدرجة الثالثة مَن أحبّنا بقلبه»؛ أمّا الطبقة النازلة منها فيحتلّها الذين يحبّوننا حقّاً، لكنّهم يفتقدون همّة التبليغ لنهجنا والدفاع عنّا والتضحية في سبيلنا. وهذا ما يتعلّق بالجنّة. أمّا النار فهي الاُخرى تنقسم إلى ثلاثة أقسام: الأوّل هو أسفلها، وهو ما عبّر عنه القرآن الكريم بقوله: «فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ»[8]، وهو مخصّص لمن يبغض أهل البيت (عليهم السلام) بقلبه، وينال منهم بلسانه، وينشط ضدّهم في عمله: «وفي أسفل الدرْك من النار مَن أبغضنا بقلبه وأعان علينا بلسانه ويده، وفي الدرك الثانية من النار مَن أبغضنا بقلبه وأعان علينا بلسانه»؛ ففي القسم الثاني منها اُولئك الذين يُظهرون بغضهم لنا بألسنتهم لكنّهم لا يمارسون ضدّنا عملا ًمّا. «وفي الدرْك الثالثة من النار مَن أبغضنا بقلبه»؛ فهؤلاء يضمرون البغض لنا لكنّهم لا يروّجون ولا يشجّعون على العداوة لنا.

درجات محبّة أهل البيت

وعن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «قال رسول الله (صلّى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين (عليه السلام): إنّما مَثَلُك مَثَل «قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ»؛ فإنّه مَن قرأها مرّة فكأنّما قرأ ثُلُث القرآن، ومَن قرأها مرّتين فكأنّما قرأ ثلثَي القرآن، ومَن قرأها ثلاث مرّات فكأنّما قرأ القرآن». وقد كان هذا الحديث - وهو أنّ قراءة سورة التوحيد تعادل ثواب قراءة ثلث القرآن وأنّ مَن قرأها ثلاثاً فكأنّما قرأ القرآن كلّه - معروفاً في ذلك الزمان. ثمّ يقول (صلّى الله عليه وآله) له: إنّ محبّتك يا عليّ لا تشبه الذكر والصلاة وأعمال الجوارح، فمحبّة أمير المؤمنين لا تتناسب أبداً مع الأعمال الاُخرى للإنسان. يقول (صلّى الله عليه وآله): «وكذلك مَن أحبّك بقلبه كان له مِثل ثلث ثواب أعمال العباد» وهنا القياس بأعمال العباد «ومَن أحبّك بقلبه ونصرك بلسانه كان له مثل ثلثَي ثواب أعمال العباد» فإذا كان المرء، بالإضافة إلى حبّه إيّاك بقلبه، يُبدي هذا الحبّ على لسانه وينقله إلى الآخرين كان له ثواب ثلثي أعمال العباد. «ومَن أحبّك بقلبه ونصرك بلسانه ويده كان له مثل ثواب العباد»[9]؛ فهو بالإضافة إلى ذلك كلّه مستعدّ للتضحية في سبيلك حتّى إذا كلّفه ذلك حياته، فإنّ الله سيعطيه ثواب كلّ أعمال العباد الصالحة. «فهُم النمط الأعلى [في حبّ أهل البيت (عليهم السلام)]. الفقر والفاقة وأنواع البلاء أسرعُ إليهم من ركض الخيل، مسّتهم البأساء والضرّاء وزُلزِلوا وفُتِنوا، فمن بين مجروح ومذبوح متفرّقين في كلّ بلاد قاصية»[10]؛ فإنّ مصيرهم في ساحة القتال من أجلنا هو إمّا الجرح أو الذبح.

وكما تلاحظون فهناك ملازَمة في هذا الحديث بين محبّة أهل البيت (عليهم السلام) ونزول البلاء والمصائب. فإنّ النبيّ الأعظم (صلّى الله عليه وآله) يقول في رواية اُخرى أيضاً: «إنْ كنتَ تحبّني فأعِدَّ للفقر تجفافاً أو جلباباً»[11]، وكانوا في قديم الزمان يرتدون في الحرب، للوقاية من النبال، ما يشبه الدرع ويسمّى «التجفاف»، بل ويضعونه على خيولهم أيضاً؛ والمعنى: إن كنت تحبّنا حقّاً فأعدّ ما تحفظ به نفسك من البلاء! كما ويروي أمير المؤمنين (عليه السلام) عن رسول الله (صلّى الله عليه وآله) قوله: «والله للفقرُ أسرعُ إلى محبّينا من السيل إلى بطن الوادي»[12] أي السيل الهابط من قمّة الجبل إلى أسفل الوادي. فكن يقظاً، فإنْ كنتَ رجلَ نزال، فاستعدّ! فهذا الإمام الحسين (عليه السلام) أيضاً يقول: «والله البلاء والفقر والقتل أسرع إلى مَن أحبّنا من ركض البرَاذين ومن السيل إلى صِمرِه»[13]؛ والبراذين هي الخيول المُعَدّة للحمل، والصِمر هو المحلّ الذي يستقرّ فيه الماء بعد انحداره.

العلاقة بين المحبّة والبلاء

والسؤال المطروح هنا هو: لماذا لابدّ لمن تزداد محبّته لأهل البيت (عليهم السلام) أن يُبتلى بالفقر والمحن؟ ما هذه المنظومة الإلهيّة التي توجب ازدياد البلاء لكلّ من تكون محبّته لأهل البيت أكثر من غيره؟ وهذا التساؤل يقودنا إلى سؤال أعمق وأوسع حول أصل الامتحان ألا وهو: لماذا يمتحن الله تبارك وتعالى عباده؟ فإن كان الله يعلم مَن مِن عباده سيدخل الجنّة ومَن منهم سيذهب إلى النار فلماذا يأتي بهم إلى هذه الدنيا ليمرّوا بكلّ هذه المراحل ويُبتلوا كلّ يوم بشتّى صنوف الامتحانات والشدائد؟

الإجابة على هذا التساؤل تتطلّب بحثاً مسهباً وقد تناولناه في الماضي في مواضع اُخرى[14]. ويتعيّن القول في الجملة: إنّ «الامتحان» هو من المفاهيم التي أكّد عليها القرآن الكريم عبر عدّة مفردات كـ «الامتحان» و«البلاء» و«الاختبار» و«التمحيص» وهو من السنن الإلهيّة القطعيّة؛ لقوله تعالى: «الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوٰةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً»[15]؛ فالله إنّما خلق الموت والحياة في هذا العالم أساساً ليمتحنكم. وجواباً على السؤال أعلاه نقول: لابدّ من تفسير التعبير بالامتحان، حاله حال العديد من التعابير الاُخرى الواردة بخصوص الله عزّ وجلّ. يقول علماء الكلام والتفسير حول مثل هذه التعابير: إنّ سَوق أمثال هذه التعابير يأتي لتفهيمنا نحن البشر، وهي تنطوي على وجوه نقص لابدّ من إقصائها فيما يتّصل بالباري جلّ وعلا. فنحن معاشر البشر عندما نمتحن إنساناً فإنّنا نبغي في الأعمّ الأغلب رفع جهلنا حوله. لكن ليس هذا هو هدف الله تبارك وتعالى من الامتحان، بل إنّ هدفه هو توفير مناخ يساعد على إبراز ما يستتر في صدور الناس، بل إنّ هذا العالَم قد خُلق أساساً من أجل ذلك. فالله عزّ وجلّ يعلم بما سيجري على النطفة بعد انعقادها وإلى أين سينتهي بها الأمر، لكنّه مالَم يمتلك الإنسان الاستعداد للكفر والإيمان والفهم والشعور، فإنّه لا يكون لنموّه وكماله معنىً. فإنّ فلسفة وجود هذا العالم هي تهيئة الظروف لتكامل الإنسان. فكما أنّ جسم الطفل ينمو وتطرأ عليه تغييرات جمّة منذ مرحلة النطفة وحتّى يبلغ أشدّه ويصير شابّاً، فحتّى على صعيد المعنويّات فإنّه من أجل أن يبلغ ما يطلب، عليه أن يختار بنفسه وأن لا تكون له على الله حجّة.

فأصل الامتحان في هذا العالم هو من السنن الإلهيّة، وإنّ كلّ مَن يجتاز مرحلة إلى مرحلة أعلى منها يشتّد امتحانه طبعاً؛ بالضبط كصعوبة امتحانات السنة الثانية بالنسبة للسنة الاُولى وكلّما انتقل الطالب إلى مرحلة دراسيّة أعلى فإنّ عليه خوض امتحان أصعب. وكذا على الصعيد المعنويّ، فإذا نما الإنسان وتكامل على هذا الصعيد فإنّ عليه خوض اختبارات أشقّ. فمن أجل حصول المرء على كمال يكون له أثر كبير على سعادته ولا يمكن قياسه مع سائر الكمالات فإنّه سيواجه امتحانات غاية في الصعوبة والشدّة. فعلى إنسان كهذا أن يثبت كم هو صامد على محبّته، وكم هو مستعد لتحمّل المشاقّ في سبيل محبوبه، من دون أن يَقطِب له حاجب، بل أن يكون مسروراً من حيث إنّه يستطيع أن يثبت لمحبوبه كم قدّم من التضحيات في سبيله، بل إنّ إنساناً كهذا يلتذّ ممّا يقاسيه من البلايا.

الحبّ يقصي كلّ غريب

فمحبّة أهل البيت (عليهم السلام) هي موهبة لا يمكن قياسها بأيّ شيء آخر. فلا تُعطىٰ مثل هذه الفضيلة لأيّ أحد بسهولة ولابدّ من نيل الأهليّة لحيازتها. فمن أجل الحصول على أوّل درجاتها يتمّ إخضاع المرء إلى امتحان بسيط، فإنْ تكامَل قليلاً، اشتدّ الامتحان بعض الشيء، وكلّما تقدّم أكثر على هذا الطريق زاد الامتحان صعوبة. حتّى يصل هذا الكمال إلى المرتبة التي بلغها أصحاب سيّد الشهداء (عليه السلام) الذين كان عليهم أن يخوضوا ذاك الامتحان في يوم عاشوراء. فلقد قالوا: لو أنّنا نُقتل سبعين مرّة ثمّ نُبعَث فسنواصل هذا الدرب. لقد أقسموا ولقد صدّقهم أبو عبد الله (سلام الله عليه) أيضاً. فلم يكن ادّعاؤهم ذاك زيفاً. فلقد تهيّأت حينها الظروف بحيث اُتيح لهم أن يثبتوا إنْ كانوا حقّاً على استعداد للتضحية أم لا.

تأسيساً على هذا فإنّ سبب تعرّض محبّي أهل البيت (عليهم السلام) لامتحان أصعب هو أنّ الموهبة التي وهبهم الله إيّاها لا تُقاس بأيّ شيء آخر. فإن رغبوا في الاستمرار في هذا الطريق، فما عليهم إلاّ تحصيل الأهليّة له واجتياز هذه المراحل بالتدريج. فإنّ قولهم (عليهم السلام) إنّ محبّينا سيُبتلون بصنوف البلايا فهو لإثبات صدق مدّعاهم وتوفير الأرضيّة لهم للمزيد من الرقيّ. وهذا النموّ والرقيّ لا يظهر إلاّ إذا قدّموا تلك التضحيات، وإنّ الله – ومن منطلق لطفه – يهيّئ مناخاً يتمكّنون فيه من خوض مثل هذا الامتحان ليجتازوه برفعة وشموخ؛ إذ أنّ:

الحبّ متمرّد ودمويّ بطبعه   كي يقصي كلّ ما هو غريب[16]

رزقنا الله وإيّاكم إن شاء الله



 


[1]. إقبال الأعمال، ص349.

[2]. سورة البقرة، الآية 165.

[3]. الأمالي للطوسي، ص583.

[4]. سورة الشورى، الآية 23.

[5]. بحار الأنوار، ج7، ص337.

[6]. سورة البقرة، الآية 14.

[7]. بحار الأنوار، ج27، ص93.

[8]. سورة النساء، الآية 145.

[9]. بحار الأنوار، ج27، ص94.

[10]. بحار الأنوار، ج65، ص275.

[11]. بحار الأنوار، ج41، ص4.

[12]. الاختصاص، ص311.

[13]. بحار الأنوار، ج64، ص246.

[14]. في ميسور القارئ الرجوع إلى كتاب «طوفان فتنه و كشتى بصيرت» (طوفان الفتن وسفينة البصيرة) لسماحة الاُستاذ للوقوف على الإجابة.

[15]. سورة الملك، الآية 2.

[16]. في إشارة لبيت شعر بالفارسيّة يقول: عشق ز اول سرکش و خونی بود   تا گریزد هر که بیرونی بود.

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org