قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 11 حزيران 2014م الموافق للثالث عشر من شعبان 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

الحياة الهنيئة في ظلّ الالتفات إلى الله والتوكّل عليه

23

 

 

إشارة

متابعة لبحثنا في محبّة الله ذكرنا أنّ من الروايات التي تطرّقت إلى هذه المسألة، والتي شكّل هذا المبحث الهدف الرئيسيّ لجميع مباحثها، هو الحديث القدسيّ الذي ينقل الحوار الذي دار بين نبيّ الإسلام (صلّى الله عليه وآله) والله عزّ وجلّ في ليلة المعراج، والذي لو ادُّعِي أنّه ينطوي على دورة تربويّة إلهيّة كاملة في السير والسلوك ويتضمّن أسمى المعارف في هذا الباب، لما كان هذا الادّعاء جزافاً.

يستهلّ هذا الحديث بحثّه من نقطة هي غاية في الأهمّية من الناحية التربويّة، وهي تنسجم تماماً مع القواعد التربويّة لعلم النفس. إذ يقول الله عزّت آلاؤه لنبيّه الكريم (صلّى الله عليه وآله) في هذا الحديث: «هل تدري أيّ عيش أهنى وأيّ حياة أبقى»؟ ومن الطبيعي في مثل هذا المقام أن يُظهر النبيّ (صلّى الله عليه وآله) الجهل في مقابل الله عزّ وجلّ، «قال اللهمّ لا». فقال الله تبارك وتعالى: «أمّا العيش الهني‏ء فهو الذي لا يفتُر صاحبه عن ذكري، ولا ينسىٰ نعمتي، ولا يجهل حقّي، يطلب رضاي ليلَه ونهارَه»[1]؛ فإنّ مَن يتمتّع بالعيش الهنيء هو ذلك الذي يذكر الله على الدوام بحيويّة ولا ينتابه ضعف أو فتور في هذا السبيل، وهو لا ينسى نعمي مادام حيّاً، ولا يجهل حقّي، وهو يجهد ليله ونهاره في سبيل إرضائي. فإنّ عيشاً كهذا هو أهنأ عيش.

الالتفات إلى عوامل اللذّة هو من الشروط اللازمة للذّة

كلّنا يعلم أنّ كافّة توصيات النبيّ الأكرم وأهل بيته الأطهار (صلوات الله عليهم أجمعين) والأحاديث القدسيّة صحيحة ونحن نوافق تعبّداً على أنّ العيش الهنيء هو ما ذكروه، لكنّه ثمّة سؤال يتبادر إلى الذهن بهذا الخصوص وهو: ما هي العلاقة بين العيش الهنيء وذكر الله؟ وكيف يا ترى ينعم الإنسان بأهنأ عيش إذا لم ينس آلاء بارئه؟

وللإجابة على هذا السؤال ينبغي أن ننظر – بعيداً عن توصيات أهل البيت (صلوات الله عليهم أجمعين) – ما هي موجبات العيش الهنيء؟

فمن الواضح أنّ الحياة الدنيا فيها الكثير ممّا يلتذّ به الإنسان وما يقتضي امتلاكه العيش حياةً هنيئة مريحة، لكنّ القضيّة هي أنّنا لا نشعر دائما باللذّة من تمتّعنا بهذه النعم. فقد تكون أسباب اللذّة متاحة أحياناً لكنّنا لا نشعر بها لكوننا غير ملتفتين إلى ما هو متوفّر لدينا من عواملها. على سبيل المثال فإنّني عندما أتحدّث إليكم اُحاول أن أتكلّم بطريقة تدعوكم إلى الإنصات إلى ما أقول وفهمه. فإن بحّ صوتي ولم أستطع الكلام، فسوف لا أنال مقصودي. إذن تخيّلوا كم من الشروط يتعيّن توفّرها كي يتمكّن الإنسان من الكلام؟ إذ يتعيّن وجود الهواء. ولابدّ للمتكلّم من امتلاك الحنجرة والأوتار الصوتيّة كي يمرّ الهواء حال خروجه من الرئة بمخارج الفم فيصدر الصوت. كما أنّ على المتكلّم - مضافاً إلى ذلك كلّه - أن يتعلّم كيفيّة النطق، فلا أحد يجيد النطق ذاتاً عند ولادته. كلّ هذه الأسباب هي جزء من مقدّمات الكلام، لكنّ الإنسان، وقبل أن يفكّر بكلّ واحدة من هذه النعم على حِدة، غير ملتفت إلى أنّ القدرة على النطق هي بحدّ ذاتها نعمة أيضاً وانّ باستطاعته الالتذاذ بلسانه. وكذا كم من الشروط ينبغي توفّرها من أجل شرب قدح من الماء النظيف والنقيّ ممّا لو فكّرنا بها لشعرنا بلذّة كبيرة. والمثال الآخر على ذلك هي الصحّة. فجميعنا أصحّاء بشكل أو بآخر، لكنّنا غافلون تماماً عن كون الصحّة نعمة من النعم. فإن ابتُلي الإنسان بمرض لبضعة أيّام ورقد في إثره في المستشفى لَلَجأ إلى النذر والدعاء وتلاوة الأذكار والأوراد كي يتماثل للشفاء، وعندها سيدرك أيّ نعمة كانت هذه الصحّة! غير أنّنا نتمتّع جميعاً بهذه النعمة من دون أن نلتذّ بها وذلك بسبب غفلتنا عنها.

انطلاقاً ممّا ذُكر فإنّه يتحتّم علينا من أجل أن تهنأ حياتنا أن نلتفت إلى ما يتوفّر لدينا من أسباب اللذّة. فعندما نجهل ما في حوزتنا من النعم فستنقلب حياتنا إلى مرارة وسننزعج ونغضب لأقلّ محنة تصيبنا. من هنا فإنّ من شروط تمتّع الإنسان بعيش هنيء هي التفاته إلى ما هو متاح له من أسباب اللذّة. فكلّما كثر التفاته إلى ما في حوزته من الخير، زاد عن حياته رضاً. وفي المقابل فكلّنا يحتمل وقوع أنواع البلايا في حياته، وليس من بيننا من يعلم ما هو مقدَّر له وما الذي سيحصل في اللحظة التالية. بل حتّى عندما ينعم الإنسان بحياة هنيئة وادعة فإنّ مجرّد تفكيره باحتمال وقوع البلاء سيبعث على انزعاجه وتكدّر عيشه. فحينما لا يعلم المرء ما الذي سيحصل بعد ساعة وهو يحتمل أنّ أيّ بلاء يمكن أن يحلّ بأولاده ووالديه وزوجه وأصدقائه في أيّ لحظة، وهو لا يعلم بما يمكّنه من أن يحول دون ذلك، فإنّه سوف لا يتمتّع بعيش هنيء. فإذا أحبّ الإنسان التمتّع بحياة وادعة هنيئة من جميع النواحي فعليه – من ناحية – أن يلتفت إلى أنه أيّ نعم نفيسة وُضعت تحت تصرّفه! وكلّما زاد عرفانه بقدر هذه النعم تعاظم التذاذه بها وهنأ عيشه أكثر. كما لابدّ - من ناحية اُخرى – أن يريح باله من أنّه ما من شدّة ستصيبه وأنّه مصان من كلّ ألم وبلاء ومخاوف. وَلنَدَع عنّا ما ذهبت إليه بعض المدارس الفلسفيّة الغربيّة – بعد أن شاهدت أنّه لا مفرّ من الاضطراب والقلق في حياة الإنسان وأنّه يسعى دوماً للخلاص منهما أو يلجأ إلى المسكرات والمخدّرات من أجل تجاهلهما على الأقلّ – من أنّ الاضطراب هو العنصر المقوّم للإنسان وأنّ الأخير لا يُعدّ إنساناً بلا اضطراب!

الإيمان بالله مانع من القلق والاضطراب

من الجليّ أنّ الإنسان إذا كوّن علاقة مع من بيده كلّ النعم والقادر على رفع جميع البلايا فإنّه سينعم براحة البال ويذهب عنه كلّ قلق واضطراب. فالسبيل الوحيد للراحة والطمأنينة وكذا عدم الاضطراب والقلق من المستقبل هو أن يعلم الإنسان أنّه ثمّة مَن بيده كلّ ذلك. لكنّ هذا وحده غير كافٍ أيضاً. فقد يقول قائل: إنّ كلّ ذلك بيده عزّ وجلّ وهو قادر عليه، لكن من أين لنا أن نعلم أنّه سوف يفعل ذلك؟! فإذا أدرك الإنسان حقيقة أنّ الله تعالى هو على جانب من الرأفة والرحمة بحيث إنّه لا يفعل له إلاّ ما فيه مصلحته، فستتغيّر نظرته إلى الحياة. فعلينا أن نعلم أنّه حتّى الشدائد قد تكون أحياناً وسيلة لخير الإنسان. فالناس يكدّون ويشقون ويتصبّبون عرقاً من أجل تقاضي أجر عملهم، لكنّهم راضون بذلك ومستمرّون في السعي والعمل. بناءً على ذلك فمن الممكن أن يكون الكدّ والتعب في هذا العالم نعمة، لكنّنا لا نعي ما ينفعنا وما يضرّنا، ولا نعرف السبيل للحصول على ما ينفعنا ودرء ما يضرّنا. أمّا الذي يؤمن بالله تبارك وتعالى، ذلك الربّ الذي يملك ما لا نهاية له من القدرة والعلم والرحمة، فلا ينتابه أيّ قلق. وكلّما قوي هذا الاعتقاد واشتدّ هذا الالتفات فسينعم الإنسان بمزيد من السكون والطمأنينة.

وكنموذج على هذا النمط من الناس هو سماحة الإمام الخمينيّ الراحل (رضوان الله تعالى عليه). فقد أقسم مرّة إبّان فترة النضال ضدّ الطاغوت: «إنّني لم أخش شيئاً حتّى هذه اللحظة». وقد يحمل البعض هذا الكلام على محمل المبالغة، لكنّ الذين عرفوا الإمام يدركون جيّداً أنّه ليس من أهل الثرثرة واللعب بالألفاظ، فهو لم يقل شيئاً من عند نفسه على الإطلاق. وحتّى هذا الكلام فقد قاله لمصلحة ما، وإلاّ فهو لم يكن ممّن يُثني على نفسه ويتفاخر بعلمه وكماله وفضيلته.

وهنا يطرأ هذا السؤال: أنّى للمرء أن يكون هكذا؟ ولنتصوّر هنا طفلاً. فعندما يضع هذا الطفل يده في يد أبيه فهو يعلم أنّه ما من أحد يستطيع أن يمسّه بسوء. فالضرر في نظره هو أن يقوم أحد أقرانه بضربه. إنّه يحدّث نفسه بأنّ: أبي شجاع، وعندما تكون يدي في يده فسوف لا يجرؤ أحد على إيذائي. إذن عندما تكون يد العبد في يد الله عزّ وجلّ وحينما لا يتّكل ولا يعتمد إلاّ عليه تعالى، فسوف لا ينتابه أيّ ألم أو حزن، لاسيّما إذا علم بأنّ خيره هو فيما أراده له ربّه.

الالتفات إلى قيمة النعم يجلب المزيد من اللذّة

إنّ من أفضل ما يُدخل السرور إلى قلوبنا هو أن نلتذّ بكلّ ما يسعنا الالتذاذ به. لكنّ المشكلة هي أنّنا لا نلتفت إلى التذاذنا بالنعم المختلفة. فعندما يشتغل المرء في تناول الطعام ويلتذّ به فإنّه لا يتمتّع باللذائذ الاُخرى التي لا يمكن جمعها مع تناول الطعام كالمطالعة وغيرها. فإنّ باستطاعة الإنسان أن يلتذّ بخمسة أشكال من النعم في آن واحد كحدّ أعلى، لكنّه ثمّة من حولنا مئات الأسباب للذّة ونحن بإمكاننا الإفادة منها جميعاً، بَيد أنّنا غافلون عن وجودها تماما. إذن علينا أوّلاً أن نلتفت إلى ما يوجد من حولنا من أسباب اللذّة. وأحد هذه الأسباب هو الصحّة؛ فكم من أسباب الراحة قد توفّرت لكلّ عضوٍ، بل لكلّ جزء من أعضاء بدننا، وقد منّ الله علينا بهذه النعم لكنّنا غير ملتفتين إليها من الأساس، وبطبيعة الحال فإنّنا لا نلتذّ بها أيضاً. فقد ينفق المرء أحياناً بضعة ملايين من أجل علاج أحد  أسنانه! فإذا كانت قطعة عظم صغيرة في فم المرء قد عمل هو نفسه على خرابها تستحقّ بضعة ملايين من النقود، فكم تساوي كلّ أسنانه إذن؟! فحينما نفكّر مليّاً نجد أنّ كلّ واحد منّا يملك في فمه ثروة تعادل مئات الملايين، لكنّنا غافلون عنها ولا نشعر تجاهها بأيّ لذّة. وهذا هو حال كلّ عضو من أعضاء بدننا. فإنْ أصاب أحدَها مكروه وتوّفر المال لكان المرء على استعداد لإنفاق مئات الملايين من أجل علاجه. فهذه ثروة طائلة، لكنّنا غير ملتفتين إليها. فلو أنّنا التفتنا إلى قيمة ونفاسة ما لدينا لشعرنا باللذّة أشدّ ما تكون اللذّة.

بناءً على ذلك فإنّه من أجل أن نهنأ برغد العيش فإنّه يتحتّم علينا أوّلاً أن نعرف النعم ولا ننساها: «لا ينسى نعمتي». فإن نحن عدمنا النعمة أو ملكناها ونسيناها فسوف لا نشعر باللذّة وستمسي حياتنا ناقصة، أمّا إذا التفتنا إلى أنعم الله فستتضاعف لذّتنا أضعافاً. إذن فإنّ عدم التفاتنا إلى النعم يجعلنا نفرّط بكلّ هذه اللذّات وتفقد حياتُنا ما ينبغي لها من الهناء، فالحياة لا تكون هانئة إلاّ إذا التذذنا فيها قدر ما نستطيع، ولا يحصل ذلك إلاّ من خلال معرفتنا بما نملك وإدراكنا لما فيه من الفائدة والقيمة.

حاجة الإنسان إلى الملاطفة والحنان

النقطة الاُخرى التي تفوق في مستواها ما ذُكر أعلاه هي حاجة الإنسان إلى عطف وملاطفة وليّ نعمته ورأفته به. فكلّ واحد منّا قد عاش مرحلة الطفولة وشاهد الأطفال أيضاً. فحاجة الطفل إلى الغذاء أمر بيّن، وهو سيتناول الغذاء ويشبع أيّاً كان الشخص الذي يهيّئه له، لكنّه لا يصيب المقدار الكافي من اللذّة إلاّ إذا تغذّى على يد أبويه وكانت التغذية مصحوبة بالملاطفة والحنان. إذ من الممكن إرضاع الطفل بواسطة القنّينة، لكنّ اللذّة التي يحسّها الطفل وهو يرضع من ثدي اُمّه لا يمكن مقارنتها بتلك التي يشعر بها أثناء الرضاعة من القنّينة. وحتى علماء النفس فقد أثبتوا أن الطفل الذي يرضع في حضن اُمّه ومن ثديها يشعر بلذّة خاصّة وتلبّىٰ حوائجه وتتكامل عواطفه وأحاسيسه. فإلى جانب الآلاء المادّية فإنّنا معاشر البشر بحاجة إلى نعم روحيّة أيضاً؛ فنحن بحاجة إلى مَن يلاطفنا ويمسح على رؤوسنا بيده الحانية. وإنّ لحاجتنا إلى هذه الملاطفة والحنان أنواعاً ومراتبَ، وهي أشدّ من حاجة الطفل إلى مداعبة اُمّه، لكنّنا أضعنا الطريق وانهمكنا في اللهث وراء استقطاب محبّة الناس واحترامهم تخيّلاً منّا بأنّ أمثال هذه الاُمور هي التي تُشبع رغبتنا إلى الملاطفة والحنان، أمّا تلك الملاطفة وذلك الحنان [الإلهيّان] فإنّهما أعظم وأسمى بكثير من هذه الاُمور وفيهما غاية اللذّة.

فلو عمل المرء طيلة حياته على تنمية ما كان يشعر به من لذّة ملاطفة اُمّه له فسوف يفتّش في كِبَره على اُمّ لا تفتأ تلاطفه وتمسح بيدها الحنون على رأسه في كلّ حال؛ في نومه ويقظته، وفي صحّته وسقمه، وفي سفره وحضره، وهي تخاطبه دائماً بالقول: تعال أيّها العزيز! لماذا أبطأت عنّي؟ إذ يُروى فيما يتّصل بشوق الله تبارك وتعالى لأوبة العاصين أنّ مسافراً في أرض فلاة يصيبه الإعياء فيترجّل عن بعيره ليأخذ قسطاً من الراحة فإذا به يستيقظ من رقدته فلا يرى أثراً للبعير ولا لما يحمله من زاد وماء. فيهيم على وجهه طلباً لراحلته وزاده من دون جدوى، حتّى يأخذ منه الإعياء مأخذاً فتخور قواه ويخرّ على الأرض مستسلماً للموت، فإذا به وهو في الرمق الأخير يفتح عينه فيرى البعير واقفاً عند رأسه ومعه الزاد والماء. يقول الخبر: «إنّ الله تعالى أشدّ فرحاً بتوبة عبده من رجل أضلّ راحلته‏ وزاده‏ في ليلة ظلماء فوجدها، فالله أشدّ فرحاً بتوبة عبده من ذلك الرجل براحلته حين وجدها»[2].

بحر محبّة الله اللامتناهي

لو أدرك الإنسان صفات الله تعالى هذه لما تمالك نفسه. أيّ إله هذا! وأيّ نعمة هذه! فبأيّ نعمة يمكن قياس هذه النعمة يا ترى؟ فلو جُمعت كلّ اُمّهات الأرض ووُضعت محبّتهنّ جميعاً معاً لما ساوت قطرة من بحر محبّة الله عزّ وجلّ. وهذه النعمة متوفّرة لدينا فعلاً، لكنّنا لا نعلم بوجودها أساساً، وإنّ عدم التفاتنا إليها يحرمنا من الالتذاذ بها. أمّا الإنسان الذي لا ينسى الله ولا حقّه أبداً، فمن الطبيعيّ أن يسعى دوماً لفعل ما يرضي الله عنه؛ لأنّ لازم المحبّة هو أنّه عندما يحبّ الله، فهو يريد من الله أن يحبّه أيضاً، وهو يعلم أنّ الله إذا أحبّه فستدوم هذه النعم، وإلاّ فإنْ سخط الله عزّ وجل عليه فسيسلب منه نعمه أيضاً.

النتيجة

خلاصة القول فإنّه من أجل التمتّع بعيش هنيء لابدّ من بضعة اُمور. إذ يتعيّن أوّلاً أن نحيط علماً بالنعم المتوفّرة أو التي يمكن أن تتوفّر. ثمّ ينبغي أن نعرف الذي بيده هذه النعم، والذي يمكنه توفيرها لنا، أو درء البلايا عنّا؟ فطالما التفتنا إلى هذه الاُمور فإنّنا سنلتذّ بالنعم، أمّا إذا نسيناها، فسوف لا نلتذّ بها؛ وهو قوله: «لا ينسَىٰ نعمتي». و«لا يفتر صاحبه عن ذكري» فهو لا يكلّ عن ذكر الله عزّ وجلّ دائماً. فإنْ مَلَك الإنسان النعمة من دون أن يعرف معطيها فسوف لا يزول اضطرابه، لأنّه سيقول: صحيح أنّ النعمة موجودة الآن، لكن من أين لي أن أعلم أنّها ستبقى، أو أنّ البلاء لن يحلّ؟ إذن لابدّ أن يعرف أنّه ثمّة قدرة لا نهاية لها ليعتمد عليها. فالله سبحانه هو الذي يمنّ بالنعم وهو مَن يستطيع أن يديم عليه هذا الحال، كما أنّه هو وحده القادر على رفع البلاء.

«ولا يجهل حقّي» وهذا المقطع مرتبط بتلك النعمة المعنويّة الأكثر دقّة وهي أنّنا بحاجة إلى المداعبة والرأفة والحنان من قبل شخص عظيم. فلو علمنا بأنّه باستطاعتنا أن نكوّن علاقة مع أعظم موجود هو واجب الوجود ويتحلّى بأعلى درجات الرحمة، والإفادة من عطفه ورأفته فسوف نفكّر مليّاً بكيفيّة تكوين علاقة معه وما ينبغي صنعه من أجل أن يُحسن الظنّ بنا ويُسبغ علينا هذه النعم ويدفع عنّا البلايا.

والآن تأمّلوا تعابير الحديث مرّة اُخرى وتبيّنوا ما علاقتها بالعيش الهنيء. فهل لا زلنا نرى مثال العيش الهنيء في حياة الملياردير الفلانيّ الذي يملك المزارع الواسعة والطائرة الشخصيّة والدخل الضخم والقصر الفخم؟ فلو درسنا القضيّة جيّداً لوجدنا أنّه لا يملك أكثر من بطن واحدة، وليس طعامه إلاّ من نفس هذه الحبوب والفاكهة واللحم والطير والحيوانات. فمهما كان طعامه راقياً فهو لا يستطيع أن يأكلّ إلاّ ملء بطن واحدة. وهو لا يحتاج لمكان يزيد على مترين لينام. فنحن نتخيّل أنّ الذي يملك برجاً ذا مائة طابق يلتذّ بنومه مائة مرّة أكثر ممّا نلتذّ به نحن! ونتصوّر أنّه من أجل نيل كلّ أصناف اللذّات فلابدّ أن نملك مفاتيح المصرف المركزيّ للبلد الفلانيّ لنسحب منه متّى نشاء وما نشاء من رصيد الدولار واليورو! في حين أنّ اللذّة التي يحسّها العبد المؤمن جرّاء اُنسه بالله جلّ وعلا هي غير قابلة للقياس بتلك اللذّات. فهذه اللذّة مضمونة البقاء، أمّا تلك فلا يُعلَم مآلها. ثمّ إنّنا نعلم أنّ كلّ ذلك هو مجرّد خيال، وأنّه كم علينا أن نكدّ ونشقى كي نوفّر مال إجارة منزلنا في نهاية كلّ شهر.

فلو أنّنا فتحنا هذا الحساب ونظرنا إلى الوجه الآخر من العملة لشاهدنا أيّ ضرب من النعم قد أسبغ الله علينا وهي في متناولنا الآن وأنّنا لا نلتذّ بها بسبب عدم التفاتنا إليها. إنّها نفس تلك النعم المتوفّرة في أبداننا وأرواحنا، وتلك النعم المترتّبة على الارتباط بالله والاُنس به والتي تنطوي كلّ واحدة منها على طيف واسع من اللذّات التي لم نذق حتّى نموذجاً من معظمها، بل إنّنا بالكاد نصدّق أنّ مثل هذه الاُمور موجودة فعلاً. أمّا إذا امتلك المرء هذه النعم حقّاً، فإنّه سيعيش أهنأ حياة على الإطلاق.

رزقنا الله وإيّاكم إن شاء الله 


[1]. إرشاد القلوب، ج1، ص204.

[2]. الكافي، ج2، ص435.

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org