قال علي عليه‌السلام : إِنَّهُ لَيْسَ لِأَنْفُسِكُمْ ثَمَنٌ إِلَّا الْجَنَّةَ فَلَا تَبِيعُوهَا إِلَّا بِهَا؛ امير مومنان عليه‌السلام مي‌فرمايند: همانا براي شما بهايي جز بهشت نيست، پس به کمتر از آن نفروشيد. (نهج‌البلاغه، حکمت456)

(50)

بسم الله الرحمـٰن الرحيم

هذا الذي بين أيديكم هو عصارة لمحاضرة سماحة آية الله مصباح اليزديّ (دامت بركاته) ألقاها في مكتب سماحة وليّ أمر المسلمين بتاريخ 25 تموز 2014م الموافق لليلة الثامنة والعشرين من شهر رمضان المبارك 1435ﻫ نقدّمها من أجل أن تزيد توجيهات سماحته من بصيرتنا وتكون نبراساً ينير لنا درب هدايتنا وسعادتنا.

 

وحدة الدنيا والآخرة

إشارة

في قسم من حديث المعراج القدسيّ، الذي يضمّ حواراً بين الله تبارك وتعالى ونبيّه الكريم (صلّى الله عليه وآله)، وبعد التوصية ببُغض أهل الدنيا ومودّة أهل الآخرة، استُعرضت بعض صفات أهل الدنيا وأهل الآخرة وهو ما تطرّقنا إليه في المحاضرات السابقة.

وقد جاء التعبير، في أحد مقاطع الحديث، عن ميزة من ميزات أهل الآخرة بهذه الصورة: «النَّاسُ‏ عِنْدَهُمْ‏ مَوْتَىٰ وَاللَّهُ‏ عِنْدَهُمْ‏ حَيٌ‏ قَيُّومٌ كَرِيمٌ»[1]؛ فالناس عند أهل الآخرة موتى وليس من حيّ في نظرهم سوى الله عزّ وجلّ، الله الذي مائدة كرمه ممدودة وقوام العالم بأسره بإرادته. وقلنا في المحاضرة الفائتة في بحثنا لجانب من هذا المقطع أنّ المراد من موت الناس هنا عدم كونهم منشأً للأثر بشكل مستقلّ وأنّهم أدوات ووسائل يديرها الله كيف يشاء.

أمّا أهل الدنيا، فبما أنّهم يرون للناس الأثر في كّل الأمور فإنّهم يلجأون إليهم في تسيير شؤونهم اليوميّة لينتفعوا من إمكانيّاتهم ومساعداتهم. بل إنهم يستعبدون الضعفاء أو يستعمرونهم إن استطاعوا لاستنزاف طاقاتهم. ويتلخّص هدف أهل الدنيا من تعاملهم مع الآخرين وكسب ودّهم في جلب انتباههم إليهم كي يفيدوا منهم أكبر قدر من الفائدة فيما يصبّ في مصالحهم. في حين أنّه ليس في رأي أهل الآخرة من موجود حيّ قيّوم مستقلّ الأثر في كافّة الأمور إلاّ الله جلّ وعلا؛ فهو الذي خلق الكون بلطفه وكرمه ويحبّ أن تنعم مخلوقاته منتهى التنعّم برحمته وتبلغ حدّ التكامل، ولاسيّما المخلوقات المختارة كالإنسان، فهي التي يتعيّن عليها أن تهّيئ بنفسها أسباب نضجها وتكاملها ورقيّها، المتمثّلة بمعرفة الله والتقرّب منه.

النزوع إلى الآخرة والميل إلى الآخرين

ولوقوف الأخرويّين على هذه الحقيقة فإنّهم يحاولون التعامل مع الناس بما يُعَرّفُهم بالله فيمهّد لهم التمتّع بالمزيد من رحمته وكرمه: «يَدْعُونَ الْمُدْبِرِينَ كَرَماً وَيُرِيدُونَ الْمُقْبِلِينَ تَلَطُّفاً، قَدْ صَارَتِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَهُمْ وَاحِدَة». وبناءً عليه فعوضاً عن تأمين مصالح أنفسهم يسعى أصحاب الآخرة، خلافاً لعبيد الدنيا، في ما فيه نفع للناس؛ فيطلبون هدايتهم وكمالهم واقترابهم من الله أكثر لينالوا الأهليّة للتنعّم برحمته الأبديّة. لكنّه لـمّا كانت لبواعث الإنسان مستويات شتّى، وأنّ بعضها خفيّ، فلو سئل أهل الآخرة عن دافعهم فيما يبذلونه من جهود لإسعاد العباد لَقالوا: بما أنّ الله يحبّ سعادة مخلوقاته فنحن أيضاً نمضي في هذا الاتّجاه. على أنّ هناك في هذا البين بواعثَ لا يعيها الإنسان؛ فإنّ مساعي الأخرويّين لفعل ما يحبّه الله تعالى هي لكي ينعموا هم في النهاية بلطف ربّهم ورحمته أكثر من ذي قبل.

من هنا لا يمدّ أهل الآخرة أيديهم إلى الناس للفوز بالمواهب الماليّة ونيل المناصب والمقامات والحظوة بالمكانة والجاه الاجتماعيّين، بل يهدفون إلى تكامل الآخرين ورقيّهم وتمتّعهم بالأهليّة لاستدراج الرحمة الإلهيّة. وفي هذا الخِضمّ قد ترى طائفة من الناس لا يسلكون السبيل القويمة، بل قد ينكصون على أعقابهم، فيعمد أهل الآخرة، تأديةً لواجبهم وإتماماً للحجّة، إلى العمل على هداية هؤلاء فيبيّنون لهم الحقّ والباطل، ويوجّهونهم إلى سبيل التكامل والرُّقيّ. لكن ثمّة طائفة أخرى منهم تعرف هذه السبيل وتُبدي الاستعداد للمضيّ فيها قُدُماً. ويتعاطى الأخرويّون مع أصحاب الطائفة الأخيرة بمنتهى الرأفة واللطف زيادةً في استمالتهم إليهم ولكي يُثبّتوا خُطاهم في هذه السبيل فلا يتعثّرون فيها ولا يزيغون عنها.

وحدة الدنيا والآخرة

جاءت في آخر المقطع المذكور من الحديث عبارةٌ قد تبدو بعيدة عن أذهان البعض، وهي أنّ أهل الآخرة: «قَدْ صَارَتِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَهُمْ وَاحِدَة».

ولقد أسلفنا بأنّ حياة ابن آدم تنقسم إلى دنيا وآخرة، وأنّ عليه في الأولى العمل والسعي لجني ثمار سعيه في الأخرى. إذن فكيف تتوحّد الدنيا والآخرة في نظر أهل الآخرة؟

مادام الإنسان دنيويّاً لا يؤمن بالآخرة فهو يرى حياته كلّها مقصورة على هذه الحياة الدنيا ولا يوجد في قاموسه شيء باسم الحياة الأخرى. لكنّه ما إن يؤمن بأنّ الآخرة هي جزء لا يتجزّأ من حياة الإنسان فإنّ أوّل ما يرتسم في ذهنه عن العلاقة بين الدنيا والآخرة هي أنّها علاقة النَّقْد بالآجل فيقول في ذات نفسه: أدرِك اليوم «دنياك» واعمل لها فإنّها نَقْد، فإن كان في الغد «آخرةٌ» فسأفكّر فيها لاحقاً! ألم نشاهد أناساً لم يتورّعوا عن اقتراف أيّ موبقة أيّام شبابهم على أمل أن يتداركوا ذلك في كِبَرهم بالتوبة؟ بل لقد كان من المتعارف في غابر الأيّام أن تأتي بعض الشخصّيات المرموقة طيلة حياتها بكلّ حسَن وقبيح ثمّ تجاور في أواخر عمرها أحد المشاهد الشريفة للتكفير عن معاصيها بالزيارة وإعانة الآخرين وما إلى ذلك! كما أنّ العقليّة السائدة لدى أغلب الناس تقريباً هي أنّه مادام الإنسان شابّاً فدعه يستمتع بشبابه، فإذا شابَ فليعمل لآخرته! وهي عقلية تسود بين الناس كخطاب عموميّ، فترى الأغلبية الساحقة منهم، في مقام مقارنة الدنيا بالآخرة، يرون الأولى نقداً والأخيرة آجلاً، فيرى البعض – من هذا المنطلق – أنّ حَمْل هَمِّ الآخرة هو شأن العاطلين، وأنّ الغارق في أمور الدنيا ومشاكلها لا مجال له للقلق على آخرته. غير أنّ لله عباداً ينظرون إلى كُلٍّ من الدنيا والآخرة بعين النقد ويؤمنون بأنّ الآخرة حقّ كإيمانِهم بأنّ الدنيا حقّ.

ولتقريب الموضوع إلى الذهن فلنتصوّر طالباً يزمع على المشاركة في الامتحان الوزاريّ ليدخل الجامعة ويجتاز مراحلها كي يتمكّن في نهاية المطاف من الحصول على عمل مناسب ومكانة اجتماعيّة جيّدة. فكم سنة سيقضي هذا الطالب يخصّص كل وقته للدراسة ليجتاز هذه المراحل بتفوّق؟ إنّ بعضهم قد يعطّل جميع أعماله وبرامجه ويكبّ ليلَ نهارَ على دراسته أملاً في اجتياز الاختبار الوزاريّ بنجاح، لظنّه القويّ بإمكانيّة الحصول على عمل مناسب ومنصب وظيفيّ عن هذا الطريق. طالب كهذا تتساوى عنده السنوات الدراسيّة التي تسبق الامتحان الوزاريّ مع التي تتلوه حتّى حصولِه على فرصة العمل المنشودة؛ فكلّ هذه الرحلة تمثّل عنده طريقاً واحداً عليه اجتيازه.

وكذا الحال مع أهل الآخرة، فالدنيا لديهم مقدّمةٌ وبدايةُ طريق تتمّتُه الآخرة. فالدنيا والآخرة ليستا ساحتين منفصلتين عن بعضهما، بل هما خيط بدايته في الدنيا ونهايته في الآخرة. وعلى العكس من أهل الآخرة، لا ينظر الدنيويّون الضعيفو الإيمان إلى الآخرة بهذه النظرة، فالدنيا محور جميع تصرّفاتهم؛ من كسب الرزق، والعيش بكرامة، ونيل المناصب، واستجلاب احترام الآخرين، وصون المكانة الاجتماعيّة، ..الخ. على أنّهم قد يقومون أحياناً - من بين جميع أعمالهم الدنيويّة – بحركة طفيفة من أجل الآخرة، أمّا محور أعمالهم فهو الدنيا، لأنّ الدنيا والآخرة في نظرهم شيئان منفصلان. لكن يعتقد أهل الآخرة بأنّ الدنيا والآخرة بمثابة طريق واحد له عدّة مراحل؛ بالضبط كالطالب الذي يدرس اليوم ليشترك بعد فترة وجيزة في الامتحان الوزاريّ، ليجتاز بعدها المراحل الجامعيّة، ثمّ ليجد في النهاية عملاً مناسباً، و..الخ.

الآخرة عَقِب الدنيا

كان المرحوم العلاّمة الطباطبائيّ (قدّس سرّه) في درس تفسيره يفسّر عبارة: «عُقْبَى الدَّارِ»[2]، الواردة ثلاث مرّات في سورة الرعد وصفاً للآخرة، بـ «عَقِب الدنيا»، أي هي نتيجة تترتّب على الدنيا. کالمزارع الذي يحرث الأرض يوماً، فيطرح فيها البذور في يوم آخر، ثمّ يظلّ يعتني بالزرع حّتى يأتي أوان حصاد الثمر؛ فهذه المراحل كلّها تمّثل دورة واحدة بعدّة حلقات. لكنّنا لا ننظر إلى الدنيا والآخرة بهذه النظرة؛ فللدنيا في نظر عبيدها حسابها الخاصّ، وهي أنّها الأصل؛ وهي الاقتصاد والسياسة والتجارة والصناعة والشؤون العسكريّة وما إليها والتي إن لم يضعها المرء في حسبانه عدُّوه عاطلاً! أمّا الآخرة والجنّة والنار فهي قضيّة أخرى لا ينبغي أن تُقلقنا! وهذا ناجم عن عدم إيماننا بأنّ لنا حياة تبدأ من ساعة ولادتنا وليس لها نهاية، وأنّ مرحلة قصيرة منها تمرّ عبر هذه الدنيا، مرحلة تقوم مقام المقدّمة والسبيل التي تعيّن مصير باقي حياتنا، أمّا المقصد والهدف فيأتي في المرحلة التي تلي الدنيا. هذه الدنيا تمثّل مرحلة الحرث، أمّا مرحلة الحصاد فهي في الآخرة: «فَإِنَّ اليَومَ‏ عَمَلٌ‏ وَلا حِسابَ وَإِنَّ غَداً حِسابٌ وَلا عَمَل»[3]. هذه هي رؤية أهل الآخرة. أمّا نحن فليست لنا مثل هذه الرؤية إلى الدنيا والآخرة. على أنّنا جميعاً نؤمن بالآخرة، لكنّ إيماننا هذا ضعيف، ذلك أنّنا منجذبون – بشكل أو بآخر - إلى الدنيا وهي في أنظارنا ذات شوكة وخطورة. خلافاً لأهل الآخرة الذين «قَدْ صَارَتِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَهُمْ وَاحِدَة»، فكلّ من الدنيا والآخرة في نظرهم مسير واحد، يبدأ من لحظة الولادة، ثم لا ينتهي: «خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً»[4]، وإنّ مصير الحياة الأبديّة تحدّدها الأيّام القليلة التي نعيشها في الدنيا؛ فكلّ ما نزرعه في هذه الدنيا، نحصده في الآخرة.

صورة الآخرة في الدنيا

هذه قراءة أوّليّة لهذا المقطع من حديث المعراج. لكن ثمّة معنىً آخر يمكن طرحه لهذه العبارة. فاستناداً إلى ما قيل لحدّ الآن فإنّ الدنيا مقدّمة سير وسفر نحو مقصد تبدأ مرحلته النهائيّة من ساعة الموت، لكن يبدو أنّه ثمّة من بين عباد الله من يشاهد المرحلة التالية وهو في الدنيا. وهناك روايات متعدّدة في هذا المضمار أشهرها قصّة زيد بن حارثة.

يروى «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلّى الله عليه وآله) صَلَّى بِالنَّاسِ الصُّبْحَ فَنَظَرَ إِلَى شَابٍّ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ يَخْفِقُ وَيَهْوِي بِرَأْسِهِ مُصْفَرّاً لَوْنُهُ قَدْ نَحِفَ جِسْمُهُ وَغَارَتْ عَيْنَاهُ فِي رَأْسِهِ. فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى الله عليه وآله): كَيْفَ أَصْبَحْتَ يَا فُلانُ؟ قَالَ: أَصْبَحْتُ‏ يَا رَسُولَ‏ اللَّهِ‏ مُوقِناً. فَعَجِبَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى الله عليه وآله) مِنْ قَوْلِهِ وَقَالَ: إِنَّ لِكُلِّ يَقِينٍ حَقِيقَةً فَمَا حَقِيقَةُ يَقِينِكَ؟» أي ما علامته؟ فأجاب الشاب: عيني لا ترى النوم ليلاً قلقاً من الآخرة، لقد هجرتُ النوم والطعام ولا أفتأ أفكّر كيف سأكفّر عن معاصيَّ «فَقَالَ: إِنَّ يَقِينِي يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ الَّذِي أَحْزَنَنِي وَأَسْهَرَ لَيْلِي وَأَظْمَأَ هَوَاجِرِي، فَعَزَفَتْ نَفْسِي عَنِ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» إلى أن قال: «.. كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ الْجَنَّةِ يَتَنَعَّمُونَ فِي الْجَنَّةِ وَيَتَعَارَفُونَ وَعَلَى الأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ، وَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى أَهْلِ النَّارِ وَهُمْ فِيهَا مُعَذَّبُونَ مُصْطَرِخُونَ... فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى الله عليه وآله) لأَصْحَابِهِ: هَذَا عَبْدٌ نَوَّرَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِالإِيمَانِ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: الْزَمْ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ. فَقَالَ الشَّابُّ: ادْعُ اللَّهَ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ أُرْزَقَ الشَّهَادَةَ مَعَكَ. فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلّى الله عليه وآله) فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ خَرَجَ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِ النَّبِيِّ (صلّى الله عليه وآله) فَاسْتُشْهِدَ بَعْدَ تِسْعَةِ نَفَرٍ وَكَانَ هُوَ الْعَاشِرَ»[5].

كما نقلت طائفة من الروايات عن ادّعاء بعض الناس بأنّهم يعرفون أناساً يتعذّبون الآن في النار. وروَت طائفة أخرى من الأحاديث عن لسان النبيّ (صلّى الله عليه وآله) ما شاهده ليلة المعراج، وأنّه رأى أناساً يعذَّبون في جهنّم بصور شتّى، كأن يعلَّقوا من ألسنتهم، وآخرون متنعّمون في الجنّة[6].

وبالالتفات إلى الروايات والأحاديث المذكورة آنفاً يصبح معنى عبارة «قَدْ صَارَتِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَهُمْ وَاحِدَة» أكثر دقّة. إذ يُنظر إلى الدنيا والآخرة في القراءة الأولى كمسيرة متواصلة، الآخرة فيها بمثابة عقبى الدار وعَقِب الحياة الدنيا. أمّا وفق القراءة الثانية فالآخرة تقع في وعاء آخر غير الذي للدنيا، لكن بالإمكان مشاهدة تصوير عامّ لها في هذا العالم.

ويتعيّن القول إجمالاً أنّنا لا نحمل الآخرةَ على محمل الجدّ كما ينبغي لها، وعلينا التأمّل أكثر في هذه المسألة وتغيير سلوكنا بالشكل الذي يلفت انتباهنا أكثر إلى الأمور الأخرويّة، فلا تنصرف كلّ هممنا إلى الدنيا ولذّاتها وجاهها ومقامها. وإنْ مارسنا ضمن الشؤون الدنيويّة نشاطاً ما فليكن من حيث إنّه محبوب لدى الله عزّ وجلّ، بالضبط كما اتّخذ نبيّ الله سليمان (عليه السلام) الـمُلكَ وسيلة لإشاعة التوحيد ومعرفة الله. ولقد قبل أمير المؤمنين (عليه السلام) أيضاً بالحكم، لكنّه طالما أكّد: «وَاللَّهِ لَهِيَ (النَّعْل) أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ‏ إِمْرَتِكُمْ‏ إِلاّ أَنْ أُقِيمَ حَقّاً أَوْ أَدْفَعَ بَاطِلاً»[7].

ولعلّه يوجد في زماننا هذا مَن يقبل بمسؤوليّة ضخمة لا لشيء إلاّ طاعةً لله وتأديةً للتكليف الشرعيّ، وإلاّ فإنّه يرفضها.

نسأل الله تعالى أن يمنّ علينا جميعاً بمثل هذه المعرفة ويوفّقنا لمعرفة قدر أمثال هؤلاء وتأدية شكر نعمة وجودهم.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.



[1]. بحار الأنوار، ج74، ص24.

[2]. سورة الرعد، الآيات 22 و24 و42.

[3]. الكافي، ج8، ص58.

[4]. سورة النساء، الآية 57، وسورة المائدة، الآية 119، وغيرهما.

[5]. الكافي، ج2، ص53.

[6]. عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج2، ص11: «وَرَأَيْتُ امْرَأَةً مُعَلَّقَةً بِلِسَانِهَا وَالْحَمِيمُ يُصَبُّ فِي حَلْقِهَا...».

[7]. نهج البلاغة، الخطبة 33.

 

آدرس: قم - بلوار محمدامين(ص) - بلوار جمهوری اسلامی - مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی(ره) پست الكترونيك: info@mesbahyazdi.org